.

الرسول لم يعبس ولم يتولَّ عن الأعمى

Foto


توجد بالفعل أسباب لنزول آيات القرآن الكريم، ولكن تظل آيات القرآن مناسبة لكل عصر ومكان ووقت، وهو ما يسموه عموم اللفظ، أو عموم المعنى، وآيات القرآن باقية وثابتة، ولكنّ المؤرخين والمفسرين اختلفوا حول أسباب نزول تلك الآية أو غيرها، واصطدمت بعض أسباب النزول بعصمة مقام النبوة، ففى الوقت الذى عصموا فيه كل الصحابة، قال البعض إن النبى معصوم عن الكبائر دون الصغائر، مثلما قال ابن تيمية، فهان عليهم مثلًا أن يروا أن الشيطان كان يخاف من عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، وأنه لا يرى عمر فى طريق إلا سلك طريقًا غيره، ولكن نفس الشيطان تمكن أن يسحر الرسول، وهذا لا يتفق مع القرآن أو العقل.

وفى السياق نفسه، تأتى آيات سورة «عبس»، وهى سورة نزلت فى مكة المكرمة فى أوائل الدعوة، تقول الآيات فى مقدمة السورة: «عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ. أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ. فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ. وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ. وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ. وَهُوَ يَخْشَىٰ. فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ»، فادّعى المؤرخون أن الآيات نزلت لومًا شديدًا على النبى الكريم، صلى الله عليه وسلم، حيث جاءت الأحاديث تنص على ذلك.

فقد روى ابن جرير وابن أبى حاتم وشرح البخارى وغيرهم، عن ابن عباس وأم المؤمنين عائشة بألفاظ مختلفة: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجى عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام وأمية بن خلف وغيرهم من صناديد قريش، وكان يتصدى لهم كثيرًا ويحرص عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يُقال له عبد الله بن أم مكتوم، يمشى وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبى، صلى الله عليه وسلم، آية من القرآن، وقال يا رسول الله علّمنى مما علمك الله، فأعرض عنه، وعبس فى وجهه وتولى وكره كلامه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسول الله نجواه، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره ثم خفق برأسه ثم أنزل الله «عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ. أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ»، فلما نزل فيه ما نزل أكرمه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكلمه وقال له النبي: «ما حاجتك هل تريد من شيئًا؟» وإذا ذهب من عنده قال هل لك حاجة فى شىء؟ وأنه خاطبه قائلًا: «أهلًا بمَن عاتبنى فيه ربى»).

هذا ما قالوه، ويمكن الردّ عليه، أن الذى عبس شخص غير النبى، وهو ما قاله بعض المؤرخين مثل الفخر الرازى والقاضى عياض والزركشى، وقالوا إنه يُقال إنه أحد كبار الصحابة، الذى ساءه أن يرى الرجل يقاطع النبى فى حديثه مع القرشيين، فعاتبه الله ولكنّ المؤرخين تناسوا العابس، ولم يحددوا اسمه، وادّعى أغلب المؤرخين أن النبى هو المقصود، وشاع قولهم حتى اليوم، ولكن الرسول كان يحرص على الفقراء والمعذبين فى الله، ولا يمكن أن يتجاهل رجلًا مسلمًا ضريرًا، لمجرد أن ينال رضا الأغنياء وقبولهم الإسلام دينًا، فالعبوس ليس من خلقه، ولا الإصرار على إسلام الصناديد الذين ظلوا على عنادهم حتى قُتلوا فى موقعة بدر.

ولو تأملنا الآيات الكريمات، نجد أن الله سبحانه يخاطب شخصًا غير النبى، يقول له بضمير الغائب «عبس وتولى»، أى أن المقصود شخص آخر، وكذلك أن جاءه الأعمى بضمير الغائب، ويستمر الكلام الإلهى مخاطبًا النبى والشخص العابس: «أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ. فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ. وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ. وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ. وَهُوَ يَخْشَىٰ. فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ»، فالعابس واللاهى والمعرض شخص غير النبى، لأنه يخالف أخلاق الرسول، كما جاء بالآية الكريمة، من سورة «القلم 4»  «وإنك لعلى خلق عظيم»، فكيف يصفه تعالى بذلك وهو يستخفّ ويستهين بالمؤمن الفقير لكونه أعمى، هو قول مرفوض.

وكذلك قوله تعالى فى سورة «آل عمران 159»: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ»، والعبوس من الغلظة المرفوضة، وهو نظير ما ورد فى سورة «الكهف 28»: «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عن ذكرنا»، وقوله فى سورة «الأنعام 52»: «وَلاَ تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ»، فالله طلب من النبى الصبر على العوام من الفقراء والضعفاء والمساكين، لأنهم أصل الأمة وقوام الدولة.

والعبوس أيضًا مخالف للحديث النبوى الشريف: «إنما بعثت لاُتمّم مكارم الأخلاق»، والعبوس والتولِّى ضدان لمكارم الأخلاق، ولذلك قد طعن غير واحد من المفسرين والمؤرخين فى كون السورة نزلت فى النبى، قال ابن كثير: «فيه غرابة، وقد تكلم فى إسناده»، وفى سنن الترمذى، قال: «قال أبو عيسى: هذا حديث غريب»، واعترف الآلوسى فى كتابه «روح المعانى» أنّ «ضمير الغيبة فى عبس دالّ على أنّ مَن صدر عنه ذلك غير النبى، لأنّه لا يصدر عنه مثله»، ومعنى هذا كله أن النبى معصوم عن الهفوات فضلًا عن الكبائر.

ولكنّ فريقًا مهمًّا من الأمة، نالوا من مقام العصمة، وزوروا التاريخ وقالوا إن النبى كان يعبس، بل ويلعن ويسب ويقتل ويحرق، والأدهى أنهم طبقوا هذا التزوير، وقاموا بالإرهاب كداعش وبوكو حرام فى العصر الحاضر، تمامًا مثلما فعل الخلفاء والسلاطين، ربما فى كل عصور المسلمين.. والله للإسلام والمسلمين بعيدًا عن كتب التراث التى تروج للإرهاب ربما دون أن تدرك.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات