.

البخارى يرد البخارى فى أحاديث الغيب

Foto

لماذا اختلف البخارى ومسلم فى صحة الرواية عن الخوارج؟ هل كانت السُّنة ستضيع لو لم يقم البخارى وغيره بتدوين الأحاديث؟ هل أحاديث البخارى مسلمٌ بها حتى لو خالفت العقل والمنطق؟ هل مصطلح الحديث الصحيح يفيد اليقين بأنه قول النبوة؟


من حقِّى ومن حق غيرى إذا شعر بالحرج من حديث من أحاديث البخارى أو غيره فليرده وقلبه مُطمئن، خصوصًا إذا خالف العقل والمنطق، والإنسانية (مش دوا كُحَّة هو)، يذكِّرنى هذا ببعض الأطباء الذين يمارسون ممارسات غير أخلاقية، بأن يكتبوا الروشتة للمريض وبها الأدوية المعالجة، وأدوية أخرى تكميلية لن تضر، ولكنه كتبها للحصول على ما وُعد به من حوافز مادية من الشركات المنتجة، ويظن المريض المضلل أنه يجب عليه أخذ الروشتة كاملة، ولكن الصيدلى الحاذق صاحب الضمير، سيقول للمريضة، البادى عليها البؤس، إن هذا وهذا وتلك، ليس لها أهمية ومن حقّك التخلِّى عنها ولا حرج، ندَّعى أننا هذا الصيدلى، وفى النهاية من حق المريض أن يقبل النصيحة أو يرفضها. 
 

ويختلف البخارى ومسلم فى صحة الرواية عن «الخوارج»، فمسلم يعتبرهم خارجين عن الإسلام، ولا تجوز الرواية عنهم، ويذكر حديثًا عن سهل بن حنيف أنه سمع رسول الله يذكر الخوارج وقد أشار بيده نحو العراق، فقال:
 

6934 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِىُّ حَدَّثَنَا يُسَيْرُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ قُلْتُ لِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ هَلْ سَمِعْتَ النَّبِىَّ ص يَقُولُ فِى الْخَوَارِجِ شَيْئًا قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ -وَأَهْوَى بِيَدِهِ قِبَلَ الْعِرَاقِ- «يَخْرُجُ مِنْهُ قَوْمٌ يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ». تحفة 4665.
 

مبدئيًّا أنا أرد هذا الحديث وغيره من الأحاديث التى تتحدَّث عن الغيب، انطلاقًا من حديث فى البخارى ذاته وهو:
 

7380 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ -رضى الله عنها- قَالَتْ مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّداً ص رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ وَهْوَ يَقُولُ (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَقَدْ كَذَبَ، وَهْوَ يَقُولُ لاَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ. 
 

وهذا الحديث (الخاص بالخوارج ) يرويه البخارى، ولكنه يبيح الرواية عنهم فقد روى لعدد منهم، وكان تبرير علماء الحديث أنهم لا يكذبون، وقد روى لبعضهم ممن جاهروا بذم علِى بن أبى طالب، فقد روى عن أبى الأحمر السائب بن فروج، المتوفى سنة 136 هـ، وكان شاعرًا هجَّاءً وهو القائل للصحابى أبى الطفيل فى ذم علِى بن أبى طالب.
 

لعمرك إننى وأبا طفيل       لمختلفان والله الشهيد
لقد ضلّوا بحب أبى تراب    كما ضلّت عن الحق اليهود

 

يقصدون بأبى تراب (على بن أبى طالب)، مبنيًا على زعم بحديث مروى فى البخارى فيه الرسول (ص) يصفه بذلك، وهو قول للتحقير. 
 

وروى البخارى عن عمران بن حطان السدوسى، المتوفى سنة 84 هـ، وكان من شعراء الخوارج، وهو القائل فى مدح عبد الرحمن بن ملجم قاتل علِى بن أبى طالب:
يا ضربة من تقى ما أراد بها   إلا ليبلغ من ذى العرش رضوانًا
طبقات الشافعية للسبكى

 

وقد رد عليه القاضى أبو الطيب الطبرى الشافعى:
إنى لأبرأ ممن أنت ذاكره   عن ابن ملجم الملعون بهتانًا
إنى لأذكره يومًا فألعنه  دينًا وألعن عمران بن حطانًا 
عليك ثم عليه من جماعتنا  لعائن كثرت سرًّا وإعلانًا

 

وخلاصة الموضوع فى قضية البخارى، فأنا لا أرد كل أحاديث البخارى أو مسلم أو غيرها، ولكن بما أنها ظنيَّة، وضميرى الإنسانى لا يقبل أحاديث، وأشعر بالحرج على دينى وعلى نبيى، فعلىّ أن أردَّها، وإذا قبل شخص آخر ما أرده سواء أوّله، أو قبله على وضعه، فهذا حقّه، ولكن ليس من حقّه أن يكّفرنى لشعورى بالحرج من حديث ما، وإن كنت أظن أيضًا أن ما فعله البخارى للأمة الإسلامية كان ضرره أكبر من نفعه، أولًا لأنه كان مخالفة صريحة لأمر نبوى، روى مسلم فى صحيحه عن أبى سعيد الخدرى أن النبى (ص) نهى عن تدوين السُّنة، فقال: «لا تكتبوا عنى غير القرآن، ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه، وحدّثوا عنى ولا حرج، ومن كذب علىّ متعمدًا فليتبوّأ مقعده من النار)، مسلم.
 

وبالطبع فأنا أقبل هذا الحديث، خصوصًا أنه من «المتواتر» أن الخلفاء الراشدين حافظوا على هذا الأمر، ولمن تدون الأحاديث فى عهدهم، بل كان عمر ينهى عن الإكثار فى الرواية، وهدَّد أبا هريرة أكثر من مرة، وهدَّده بالضرب، كما روى أبو هريرة نفسه، وحافظ على نفس النهى خلفاء الدولة الأموية، إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز فى العام المئة من الهجرة حين كتب الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وإلى محمد شهاب الزهرى، ليبدأ فى جمع أحاديث النبى. ولم يكن تدوينًا كاملًا، إلى أن جاء العصر العباسى وبدأ التدوين على أوسع نطاق من البخارى ومسلم وأبو داوود وغيره، بما يسمى بالكتب الستة، وكان هذا فى القرن الثالث الهجرى.
 

وهنا يُطرح السؤال: هل كانت السُّنة ستضيع لو لم يقم البخارى وغيره بهذا الدور؟ لا أعتقد ذلك، فالسُّنة المتواترة والفعلية كانت ستبقى، خصوصًا فى ما يخص العبادات، بالإضافة أن موطئ مالك كان موجودًا، وكذلك مصنف أحمد بن حنبل كان قد كتب، ولكنه لم يكن يأخذ هذا الختم، ختم الجودة باسم الصحيح، سواء البخارى أو مسلم، ولكن كان سيبقى على وضعه الظنى، خصوصًا أن ابن حنبل، هو فقيه، يعرف العامة أن له مذهبًا خاصًّا يختلف مع آخرين.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات