.

طاعة الله والرسول ليست دائمًا فى طاعة الشيوخ

Foto

كنا نحتاج إلى بيان أكثر صراحة والرد على مطالب دعوى تنقية كتب الحديث من الأحاديث التى تتعارض وتنقض القرآن، فالتجديد نراه تحريرًا من قيود قديمة لا تناسب العصر الحالى


أصدر الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، بيانًا يؤكد فيه حجية السنة المشرفة، وهى بادرة طيبة ونادرة ومفيدة فى آن واحد، وربما استجابة للدعوات المستمرة من أجل تجديد الخطاب الدينى، وهى دعوات رسمية رئاسية، وعلمية فكرية ثقافية، ونظرًا لأن دعوات التجديد تنصبّ على دور السنة النبوية كالمصدر الثانى للتشريع، والطلبات المتجددة من أجل تنقية كتب الحديث، خصوصًا صحيحَى البخارى ومسلم، بسبب وجود أحاديث تناقض النصوص القرآنية،  فقد جاء بيان الدكتور وزير الأوقاف متوازنًا، وإن وُجدت فيه بعض الثغرات.

 

لقد قام الدكتور مختار جمعة منذ توليه الوزارة بدور مشكور فى التصدى للفكر التكفيرى عندما منع شيوخ السلفية من المنابر، وضم معظم المساجد إلى "الأوقاف"، طبعًا توجد بعض العيوب، ولكنها لا تقلل من قدر وزير الأوقاف، ولا من دوره التنفيذى الذى يقوم به.
 

نحاول أن نقرأ بيان الوزير التجديدى، لنأخذ منه ونرد على بعضه، نورد مخلص ما قال فى بيانه ثم نعلق عليه.

 

قال: «إن علماء الأمة وفقهاءها أجمعوا على حجية السنة المشرفة وأنها المصدر الثانى للتشريع بعد كتاب الله عز وجل، وأن طاعة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من طاعة الله عز وجل.. والسنة النبوية المشرفة مكملة ومتممة وشارحة ومفسرة ومبينة لما جاء فى القرآن الكريم.. وإن طاعة الرسول من طاعة الله عز وجل، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: "مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا".. ويقول سبحانه: "وَمَآ ءاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ".. ويؤكد القرآن الكريم ضرورة النزول على حكمه فى حياته وعلى مقتضى سنته الشريفة فى حياته وبعد وفاته، حيث يقول الحق سبحانه: "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"، ويقول سبحانه: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ".. ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم: "أَلَا إِنِّى أُوتِيتُ القُرآنَ وَمِثلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبعَان عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيكُم بِهَذَا القُرآنِ، فَمَا وَجَدتُم فِيهِ مِن حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدتُم فِيهِ مِن حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ"، ...  وإن أعدى أعداء السنة وأكثر الناس صدًّا عنها صنفان: الأول المتاجرون بدين الله عز وجل والمحرفون لسنة رسول الله، والذين يلوون أعناق النصوص لخدمة إرهابهم وتطرفهم، فيقتلون ويحرقون ويسفكون الدماء، ويخربون العمران باسم الدين، والدين منهم براء، والصنف الثانى الجهلة الذين لم يأخذوا أنفسهم بنور العلم وأدواته ولَم يجهدوا أنفسهم فى تحصيله ولَم يستجمعوا أدوات فهم السنة النبوية المشرفة ولَم يعملوا عقولهم فى فهم مراميها ولَم يدركوا أو يتعلموا أن هناك ما يسمى بفقه المقاصد، وأن هناك قاعدة كلية تؤصل لاعتبار العرف والعادة وأن العادة محكمة، وأنه لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان والأحوال، وذلك بإجماع من يعتد برأيه من العلماء والفقهاء، ولا عزاء للجهلاء، فدين الله يؤخذ من العلماء المتقنين وليس الجهلة ولا المتاجرين بالدِّين.، وإنه لا خلاف حول ثبوت النصوص الصحيحة وإنما الخلاف كل الخلاف مع أصحاب الأفهام السقيمة الذين لا يفرقون بين النص الثابت والفكر البشرى المتغير الناتج عن فهم النص...".

 

هذا موجز ما قاله الوزير، وهى جميعها أقوال لا نشك فى صحتها، فالسنة النبوية بالفعل المصدر الثانى للتشريع، وأيضًا طاعة الرسول واجبة، لأنها من طاعة الله، لا نشك فى ذلك، ولكن الخلاف فى الأصل حول صحة الحديث النبوى، هل قاله الرسول أم لا، والنظر فى السند والمتن معًا، فالحديث لا يمكن أن يخالف النص القرآنى، والنبى عليه السلام لا ينطق عن الهوى، وبالتالى لا يخالف القرآن، قال تعالى فى سورة "يونس 15" «إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ».

 

فالسنة كما قال الوزير تفسّر وتشرح القرآن، ولكنه عاد ليقول إن ما حرم النبى واجب تحريمه مستدلًّا بالآية «وَمَا ءاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ»، وهو استدلال صحيح عندما لا يختلف التحريم النبوى عن التحريم الإلهى، وإذا تعارضا، يكون الحديث موضوعًا مكذوبًا على النبي، هكذا صراحة، ونقول كما قال الإمام أبو حنيفة النعمان فى ما رواه الحافظ الذهبى فى مناقب أبى حنيفة: «ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين..»، والنبى صلى الله عليه وسلم، عندما قال: «أوتيت القرآن ومثله معه»، لم يكن يقصد بذلك وجود نصوص تخالف القرآن، ولكنه التفسير العملى من خلال السيرة النبوية العملية والقولية الشارحة والمفسرة للآيات القرآنية، هذا إن صح هذا الحديث، فالرسول معجزته القرآن، والسنة تفسره، ونتفق مع الوزير مع الصنف الأول الذى هاجمه، المتطرفين، وأن جماعات الإرهاب تأخذ من كتب التراث وتفهمه فهمًا دمويًّا، أولئك الذين يلوون أعناق النصوص لخدمة إرهابهم وتطرفهم، فيقتلون ويحرقون ويسفكون الدماء، ويخربون العمران باسم الدين، والدين منهم براء، حسب قول الدكتور مختار جمعة.

 

وفى المقابل نجد أن كلام الوزير يحتاج إلى تفسير أكثر، لأن الإرهابيين يأخذون أحاديث واضحة تنادى بالقتل، دون ليِّها، وهى أحاديث لا تحتاج من المجددين الدينيين إلى فحص أو نقد، بل الإعلان بصراحة أنها مكذوبة على النبى، مثل أحاديث «نُصرت بالرعب»، وحديث «بُعثت بالسيف بين يدى الساعة»، وغيره من أحاديث تشيع القتل باسم الدين، فلابد إذن من تنقية كتب الحديث منها دون مواربة، وكثير من تلك الأحاديث تخالف القرآن رغم صراحة آياته، مثل الطلاق كمثال وحيد فى مقالنا، الطلاق فى القرآن يحتاج إلى شاهدين، ولكن كتب الحديث أخذت بالطلاق دون شهود، ويتمسك بها رجال الدين، كذلك عندما استشهد الوزير بالآيتين "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" و"وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ"، نراه استشهادًا فى غير محله، لأنها آيات تتعلق بتطبيق الأحكام، أو الفصل فى الدعاوى القضائية وتطبيق الحدود والأحكام الشخصية من طلاق وزواج ومواريث، وجميعها تخضع للقرآن والسنة الشارحة والمفسرة له، وليس المتعارضة معه على أية حال، وهو ما يوافقنا الوزير عليه.

 

ولكننا لا نعرف مَن هم المقصودون بالصنف الثانى، الذين هاجمهم الوزير، ووصفهم بأنهم الجهلة الذين لم يأخذوا أنفسهم بنور العلم وأدواته ولَم يجهدوا أنفسهم فى تحصيله ولَم يستجمعوا أدوات فهم السنة النبوية المشرفة، فدين الله كما يرى الوزير يؤخذ من العلماء المتقنين وليس الجهلة ولا المتاجرين بالدِّين، وإنه لا خلاف حول ثبوت النصوص الصحيحة وإنما الخلاف كل الخلاف مع أصحاب الأفهام السقيمة الذين لا يفرقون بين النص الثابت والفكر البشرى المتغير الناتج عن فهم النص، ربما يقصد المطالبين بتنقية كتب التراث، وربما يقصد الخوارج الجدد، التكفيريين المعاصرين، المعنى فى عقل الوزير.
 

على أية حال كنا نحتاج إلى بيان أكثر صراحة والرد على مطالب دعوى تنقية كتب الحديث من الأحاديث التى تتعارض وتنقض القرآن، فالتجديد نراه تحريرًا من قيود قديمة لا تناسب العصر الحالى ما دامت لا تمس ثوابت الدين أو أركانه، ودون ذلك سنظل ندور فى حلقات مفرغة من التجديد للتنوير والتحرير دون أن نتقدم للإمام.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات