.

تاريخ الفتك فى المسيحية

Foto

هل تحض تعاليم المسيح على قتل الأعداء أم التسامح معهم؟ كيف أُجبر الروس على الدخول فى المسيحية رغمًا عنهم؟ ما قصة مسجد كتشاوة الذى قتل فى ساحته 4 آلاف مسلم؟ لماذا أبادت الكنسية الكاثوليكية نصف سكان ألمانيا فى القرن السابع عشر الميلادي؟


المختصون بدراسة التراث يعلمون جيدًا الفرق بين الدين والتدين.

أما الأول فعبارة عن ما أنزله الله من كتاب مقدس بكل ما يحتويه من فرائض وتشريعات، وأما الثانى فهو حصيلة ما أنتجه وأضافه أتباع هذا الدين من ممارسات وكتابات فى فروع متعددة على مدار السنوات اللاحقة لوفاة الرسول المبعوث لهم. ودائمًا ما تجد فى التدين بعض الأمور لا أصل لها فى الدين، وكثيرًا ما تصل هذه الأمور إلى مخالفة نصوص صريحة وقواعد رئيسية فى الدين.

 

ولا يوجد نموذج فى التاريخ يوضح البون الشاسع بين تعاليم رسالة ما وبين ما قام به أتباع هذه الرسالة كما فى المسيحية‪، ففى إنجيل «متى» الإصحاح الخامس يقول السيد المسيح فى جزء من موعظة الجبل: «أَحِبُّوا أعداءَكم.

باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مُبغِضيكم.

وصلوا لأجل الذين يسيؤون إليكم ويطردونكم.

لكى تكونوا أبناءَ أبيكم الذى فى السماوات»، وهذا نص لا يحتاج إلى تفسير أو شرح ولا يحتمل أى تأويل يحمل كلماته إلى أبعد من المعانى التى تشرق منه بجلاء. إلا إن التراث المسيحى فى فترات غير قصيرة يمتلئ بعكس هذه المعانى والقيم بالكلية.

 

ولن نتحدث هنا عما صاحب الحملات الصليبية على بلاد المسلمين من ويلات ولا عن المجازر التى قام بها من حملوا شعار المسيح رمزًا لهم عندما دخلوا القدس تقربًا إلى الرب! فقد تكلم الكثيرون عنها، فضلًا على أن هناك صفحات لا تقل سوادًا عن صفحة الحملات الصليبية إن لم تتفوق عليها، تكون الفائدة أكبر بذكرها لنعلم تمامًا أن مهما كانت التعاليم التى ينص عليها أى دين فهى مجرد حبر على ورق إن لم يتبعها ويلتزم بها المؤمنون بذلك الدين.

 

والبداية بدون ترتيب زمنى من روسيا التى لم يكن يدين أغلب سكانها بالمسيحية حتى أواخر القرن العاشر الميلادى عندما أجبر فلاديمير دوق كييف الذى يضرب به المثل فى الوحشية والشهوانية أهالى مناطق عديدة فى روسيا على التنصر كرهًا حيث كان يسوق الآلاف إلى مياه نهر الدنيبر من أجل التعميد ومن يرفض كان السيف فى انتظاره.

أما فى جنوب النرويج فقد قام الملك أولاف ترايفيسون بذبح الذين لم يدخلوا المسيحية، أو قطع أيديهم وأرجلهم أو نفيهم وتشريدهم خارج بلادهم.

وشهدت ألمانيا وقائع دموية كثيرة دونت موسوعة قصة الحضارة للمؤرخ الأمريكى ويل ديورانت جزءا منها خصوصًا المتعلقة باضطهاد اليهود.

ففى عام 1235 وقعت جريمة قتل فى مدينة بادن ولم يعرف مرتكبها فاتهم بها اليهود، وأدى ذلك إلى مذبحة لعدد كبير منهم، وفى عام 1243 أُحرق جميع اليهود -سكان بلتز القريبة من برلين- وهم أحياء بحجة أن بعضهم قد دنسوا خبزًا مقدسًا.

وفى عام 1285 هاجت ذكريات وقعت فى مدينة مينز منذ سنوات أهل ميونخ فهاجموا اليهود الذين لجأ 180 منهم إلى كنيس لهم، فأشعل فيه الغوغاء النار، واحترق المئة والثمانون أجمعهم. وبعد عام من ذلك الوقت قتل أربعون يهوديًّا فى أبرويزل بحجة أنهم امتصوا دماء مسيحى.

وتكررت المذابح بحق اليهود فى عدة مدن ألمانية مما دفع الكثير من الأسر اليهودية إلى الهجرة إلى فلسطين.

 

والأمر لا يقتصر فقط على قرون العصور الوسطى، حيث رأت مدينة الجزائر العاصمة عام 1832 مقتلة ضخمة لنحو أربعة آلاف مسلم اعتصموا بداخل مسجد كتشاوة لما علموا بقرار المحتل الفرنسى بتحويل مسجدهم إلى كنيسة، فما كان من القائد الأعلى للقوات الفرنسية الجنرال روفيجو إلا أن أجهز عليهم عن بكرة أبيهم.

 

طيب، إذا كان هذا هو حال المسيحيين مع أعدائهم من أتباع الملل الأخرى ومن الممكن أن يكون عذرهم هو الحرص على زيادة عدد المؤمنين بالمسيح، فما المبرر الذى يمكن أن يقبله إنسان حين يقرأ عن حرب الثلاثين عام التى نشبت فى ألمانيا بين الكاثوليك والبروتستانت وانتهت عام 1648 مخلفة وراءها مجاعات وأوبئة ودمار طال ألمانيا كلها، وذلك تحت شعار الحرب الدينية المقدسة التى رفعته الكنسية الكاثوليكية بعد انتشار مذهب مارتن لوثر فى أغلب مناطق ألمانيا، لتخوض الكنيسة حربًا ضروسًا أبادت فيها 50% من سكان البلد، لا لشىء إلا لإيمانهم بالمسيح دون باباوات الكنيسة. وقبل نصف قرن من تاريخ انتهاء حرب الثلاثين عامًا الألمانية كانت فرنسا توقع اتفاقية نانت فى 15 أبريل 1598 التى اعترفت بحرية المعتقد لكن بعد ما دفع الفرنسيون من أرواحهم الآلاف فى ثمانية حروب بين الكاثوليك والبروتستانت وشهدت واحدة من أشهر المجازر الدينية فى تاريخ أوروبا عشية الاحتفال بعيد سانت بارتيليمى أو بارتولوميو عام 1572 والتى راح ضحيتها أكثر من خمسة آلاف بروتستانتى فرنسى فى باريس وحدها بخلاف المدن الأخرى.

 

ما سبق غيض من فيض تحتويه صحائف التاريخ عن جرائم بشعة ارتُكبت باسم المسيح فى مخالفة صارخة لتعاليمه وعظاته، ومثال للفارق الكبير بين الدين والتدين، فلا أحد يمكنه القول بأن المسيحية تأمر بقتل متبعى الديانات الأخرى، لذلك من يعتبر تلك الوقائع تنتقص من الدين المسيحى إما جاهل أو متعصب، فما حدث كان درسًا تعلمه الغرب المسيحى جيدًا وبقى علينا كمسلمى زمن داعش وبوكو حرام وغيرهما أن لا نسمح للتاريخ أن يكتب عنا فى صفحات التعصب والمجازر باسم الدين.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات