.

الجعد بن درهم.. التضحية بمجدد قديم للفكر السياسى من خلال تجديد الخطاب الدينى

Foto

لابد من ابتعاد الدين عن السياسة، حيث لابد لمن يحكم بشريعة الله، أن يكون عادلا حازما ديمقراطيا، يستمد سلطته من الأرض لا من السماء


لا نكتب هذا المقال من أجل توبيخ تاريخى لمَن قتلوا مفكرًا قديمًا، ولا نزعم أننا نحاول فتح الجراح المزمنة، ولكن ولأن الدولة فى مصر، تشهد دعوات متتالية لتجديد الخطاب الدينى، رأينا الكتابة عن المفكر المقتول قديمًا، لنعلم إلى أى مدى كان القدماء يشوّهون الكتّاب والمفكرين، الذين يعارضون الخلفاء، وأن كتب التراث تحوى الغث الكثير والقليل الصحيح، ونسعى للحيلولة دون خلط الدين بالسلطان أو السياسات السلطانية.
 

فى يوم العاشر من ذى الحجة وهو يوم عيد الأضحى من عام 105هـ، ومِن فوق منبر المسجد الجامع فى مدينة الكوفة، وبأمر من الخليفة المأوى "الوليد بن يزيد بن عبد الملك"، وقف والى الكوفة "خالد بن عبد الله القسرى"، فخطب الناس، وبعد أن حمد الله وأثنى عليه (هكذا)، قال: "أيها الناس انصرفوا إلى منازلكم وضحوا، بارك الله لكم فى ضحاياكم، فإنى مضحٍ اليوم بالجعد بن درهم، ثم حمل سيفه، وذبحه أمام المصلين وهم ينظرون"، هكذا بكل بساطة، بعد أن مدح الله وهنأ المسلمين بالعيد، قام الوالى بذبح رجل كان مربوطًا كالبهيمة فى إحدى زوايا المنبر، لم يترك له فرصة للمناقشة، أو حتى للصلاة أو التوبة، رواها المؤرخون والخطباء بفخر واعتزاز مدهش، ثم أخذ المسلمون يمتدحون الخليفة والوالى القاتل لأنه ذبح الجعد، فقط لأنه حاول تجديد الخطاب الدينى منذ القدم، ولكن الخلفاء والفقهاء جميعًا حتى الآن، يشمتون بإيمان غريب فى "الجعد"، بل ذهب بعضهم إلى القول بأن ذلك أفضل وأعظم أجرًا من الأضحيات؛ لأن هذه فيها قطع لدابر الفتنة والشر والفساد، ثوابها أعظم من ثواب الأضحية من الخراف والبقر، ووصل الأمر بابن قيم الجوزية فى كتابه "الكافية الشافية فى الانتصار للفرقة الناجية" أن يثنى على "القاتل" خالد القسرى قائلًا بشعره:
 

ولذا ضحّى بجعد خالدُ القسرى         يوم ذبائح القربان
إذ قال ليس إبراهيم خليله  كلا   ولا موسى الكريم الدانى
شكر الضحية كل صاحب سنة   لله درك من أخى قربان

 

لقد نسبوا للجعد أنه أول من قال بخلق القرآن، وأنه أراد أن يبالغ فى توحيد الله وتنزيهه، فوقع فى الكفر، مما دفعه إلى القول بنفى الصفات التى توحى بالتشبيه وتأويلها، ومن بينها صفة الكلام، مما أدى به إلى أن يقول بخلق القرآن، وقال ابن كثير فى كتابه "البداية والنهاية": "إن الجعد تأثر فى قوله هذا بـ"أبان بن سمعان"، الذى كان أول من قال بخلق القرآن من أمة الإسلام، كما أنه كان ينفى أن يكون الله كلم موسى تكليمًا، وأن يكون قد اتخذ إبراهيم خليلاً، وأن الجعد كان يعيش بجوار النصارى واليهود.." وغيره من الكلام المهووس بنظام التآمر الصهيونى على أمة الإسلام، منذ الفتنة الكبرى، التى ادعوا فيها أن الصهيونى المزعوم "عبد الله بن سبأ" هو الذى أشعل الفتنة الكبرى، دون أن يكون لأجلّاء الصحابة رأى فيها، وهو يقودنا للاعتراف بأن مصرع الجعد كان له سبب آخر يتم التغطية عليه بترويج المؤامرة الصهيونية القديمة المتجددة.

 

وبالبحث يتبين أن أول من نفى الصفات عن الله، وقال "إن الصفات هى عين الذات"، كان "الإمام على بن أبى طالب"، فقد قال فى أول خطبة، حسب ما هو موجود بكتاب "نهج البلاغة": "أول الدين معرفته (أى الله) وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفى الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن قال فيم؟ فقد ضمنّه، ومن قال علام؟ فقد أخلى منه..."، وهى أقوال صريحة عن نفى الصفات، وخلالها لم يحاول الخلفاء التعرض لأقوال ابن أبى طالب، ولكنهم أراحوا أنفسهم، فقالوا إن كل خطب كتاب "نهج البلاغة" مكذوب على الإمام، على أن هذا يعطى الدلالة على أن الجعد تأثر بفكر الإمام مبكرا، وفى المقابل لم يقتل الأمويون أو العباسيون أحدًا من المفكرين إلا الذين نقدوا أو اقتربوا أو ابتعدوا أو هاجموا السلطة.
 

ولذلك حاولنا البحث عن السبب الرئيسى فى قتل الجعد بتلك الوحشية المتنافية مع الدين والأخلاق والإنسانية، لنجد أن الجعد قال ضمن ما قال، عندما تحدث عن صفات الله، وأنها مندمجة فى ذاته، قال: "إن الخليفة أو الحاكم اتخذ لنفسه صفة من صفات الله، وهو وحده لا شريك له فى الملك"، فالحاكم يقتل من يحاول الشراكة أو مجرد المعارضة، وبالتالى فإن نفى الصفات عن الخالق، تسحب البساط عن المخلوق، حتى لو كان حاكما أو أميرا للمؤمنين، وهنا نجد العلة الحقيقية فى جريمة القتل لرجل أراد أن يجدد الفكر السياسي، من خلال المنظور الديني، ولأنه من غير المعقول أن يعترف خطباء السلطان بالمقولة الحقيقية للجعد، تم ترويج مقولة "المعطلة"، أو "نفى الصفات"، أى تشويه الرجل بعد مصرعه، وأخذ المسلمون بأريحية فاسدة مدح الوالى القاتل شعرا ونثرا، وفى خطب المنابر يوم الجمعة.

 

لقد ارتبطت قضية خلق القرآن بمناخ المعارضة السياسي، وحتى عندما تبنى الخلفاء العباسيون "المأمون والمعتصم والواثق" فكرة خلق القرآن، ربطوها بالسياسة، واعتبروا كل من يرفض القول بخلق القرآن أنه مرتد، فعذّبوا خصومهم خصوصًا الإمام "أحمد بن حنبل"، وعندما تولى "الخليفة المتوكل" الحكم، انتقم فقتل وطارد المعتزلة وكل صاحب رأى، أى أن القضية من أولها لآخرها قضية سياسية تريد خطف الدين وتسخيره للسياسة.

 

فى النهاية لا يصحُّ إلا الصحيح، لابد من ابتعاد الدين عن السياسة، حيث لابد لمن يحكم بشريعة الله، أن يكون عادلا حازما ديمقراطيا، يستمد سلطته من الأرض لا من السماء، يطبّق الشرع بمفهوم التوحيد والعدل، وترك الحرية للبشر لتداول السلطة، عندها يكون التغيير والتجديد للأفضل متاحًا وقريبًا.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات