.

خطأ عثمان

Foto

لماذا أخطأ عثمان عندما حرق المصاحف وجمع المسلمين على قراءة قريش؟ لماذا كانت الأحادية هى أهم أسباب تخلفنا حتى الآن؟


ليس عندى مشكلة مع من يقول إن عثمان بن عفان أصاب فى موقفه هذا، فهذا رأى له وجاهته وأحترمه، ولكن مشكلتى فى من يرفض اختلافى مع قرار عثمان وكأنه جزء من الدين، ويقول بمنتهى الثقة: «إنت بتقول كلام غريب ماحدش قاله قبل كده»، وكانت إجابتى: «ما هو ده اللى مضيعنا، كلنا لازم نقول كلام واحد، لازم نراجع كل أفكارنا، لازم عندما يقول شخص رأى نقول إشمعنى، حتى لو كان رأيًا عقَديًّا، فمن حق أى شخص أن يتشكك وأن يتساءل وأن يتراجع، وأن يفعل ما بدا له من الناحية الفكرية، والطفل المصرى والطفل العربى، يربى على الأحادية من صغره، فمنذ بداية إدراكه الحياة تبدأ تساؤلاته، ومنها تساؤلات تخص العقيدة، طيب ربنا شكله إيه، طيب الجنة ليه والنار ليه، وعذاب القبر، وتبدأ هذه الأشياء تورث له من الأم غالبًا عندما تقول له (الكذب حرام)، أو (الفتنة حرام)، فيبدأ يفهم معنى الحرام. وما عقاب الحرام؟ وتكون الإجابة: النار.

ويبدأ سؤاله عن النار، ولكن عندما يعترض، أو يسأل سؤالا غريبًا، كأن يسأل: هو مش ربنا بيحبنا؟ فتكون الإجابة: أكيد. فيسأل: طب ليه حيحرقنا ويعذبنا؟ ربما أم تحاول الإجابة، ولكن أمًّا أخرى وهى من أغلب الأمهات، تعلمه أن (الحاجات دى مافيهاش ليه، هو كده ومتسألش)، ومن هنا يشب الطفل على الأحادية، أحادية المعرفة، وتنضم إلى هذه المنظومة منظومة اجتماعية: (بوس إيد أبوك، ماترفعش رجلك والكبار موجودين) وكلمة الأصول فى الثقافة المصرية، وتضاف إلى هذه المنظومة كثير من الأمور حسب كل مكان، ويتعلم الطفل أن يرث كل تلك الأمور بلا مناقشة أحادية الثقافة».

 

الموجود فى وقت عثمان لم يكن قراءات ولكنها كانت أحرفًا، بمعنى لهجات مختلفة، فهناك لهجة قريش وهناك لهجة خزاعة، وهناك لهجة غطفان، وهذه لهجة ثقيف.. وهكذا، وغضب كثير من القبائل من منطلق قبَلى، كيف يتم توحيد القرآن على قراءة قريش؟! وقد روى العسقلانى عن البخارى فى شرحه حديث «أنزل القرآن على سبعة أحرف»، حديثًا عن عمر بن الخطاب الذى يقول فيه: «سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان فى حياة رسول الله، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقرئنيها رسول الله فكدت أساوره (أى أراجعه) فى الصلاة، فتصبرت حتى سلم فلببته (أى أمسكه من رقبته) بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التى سمعتك تقرأ، فقال: أقرأنيها رسول الله، فقلت: كذبت، فإن رسول الله أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله، فقلت: إنى سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله: أرسله (أى اتركه)، اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التى سمعته يقرأ، فقال رسول الله: كذلك أنزلت، ثم قال: اقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التى أقرأنى، فقال رسول الله: كذلك أنزلت، إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه»، وتفسر الرواية هذا الترخيص بالتعدد فى قراءة القرآن، بمعنى: اقرأ باللهجة اللى تعجبك. ورغم أن عثمان قد اقتنص الخلافة من «علِى» على أساس أنه سيسير على سُنة الله ورسوله والشيخين، وهما أبو بكر وعمر، فإنه خالفهما -أقصد الشيخين- وكذلك خالف رسول الله؛ لأنه بهذا الحديث قد أقر التعدد، ومن أحادية القراءة التى صك لها عثمان، إلى أحادية التفسير الذى قاله ابن عباس على أنه ترجمان القرآن، أو أن الدولة العباسية قد استنطقت عبد الله بن عباس.

مش فارقة كتير، المهم أن أحادية التفسير قد اعتمدت.

 

ومن أمثلتها الفجة أن نرى فى تفسير قوله تعالى «ومن قتل نفسًا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنه قتل الناس جميعًا» تفسير ابن عباس أن معنى «فساد فى الأرض» هو الشرك، فتحولت الآية من آية تغلق كل أبواب القتل وسفك الدماء، ليفتحها ابن عباس -بتفسيره- على مصراعيها، ليسول للسلطة السياسية ممارسة سفك الدماء بكل حرية، وكانت أحادية الدولة التى صكها أبو بكر الصديق أيضًا هى إحدى المشكلات التى تواجهنا حتى الآن، وتم صك الأحاديث التى تخدمها؛ مثل «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا أحدهما»، هكذا بكل بساطة! فمن أحادية الدولة التى صكها أبو بكر، لأحادية القراءة التى صكها عثمان، لأحادية التفسير التى صكها ابن عباس أو من روى على لسانه، لأحادية الاعتقاد التى صكها حديث الردّة، أو حديث «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، وتمت إضافة «ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة»، حتى يسول لأبى بكر قتال الممتنعين عن دفع الزكاة، حتى لو لم يكونوا مرتدِّين، حتى وصلنا إلى أحادية سيد قطب، بحاكمية الله، والتى تعنى الوحدة السياسية للكرة الأرضية تحت حاكمية الله، والتى سيجسدها هو أو جماعته، بمعنى أنه سيحكم باسم حاكمية الله، حتى وصلنا إلى أحادية الفتوى التى صكها اجتماع يوم الثلاثاء 18 أغسطس بين عدد من مشايخ العالم الإسلامى.

 

ولم تكن تلك الأحادية التى صكها العقل المسلم بدايةً من أبى بكر، بعيدة عن الفكر السياسى الأحادى الذى تجذَّر، وكان من تبعاته الاستبداد تحت نفس الأحادية، فالحاكم الأحادى، الذى لا يلزمه أحد ولا يحاسبه أحد، وإن جلد ظهرك وأخذ مالك، وإن فسق وإن فجر؛ ولذلك فكل مشاريع تقدمنا ومحاولة انعتاقنا من التخلف واللحاق بركب الحضارة الذى تأخرنا كثيرًا فى اللحاق به، هى أننا نحاول أن نأخذ مصادر تقدمه، من علم وتكنولوجيا، ولكن دون أسس معرفية مؤسسة للعقلية التى ستتعامل مع تلك الأجهزة والمعدات، فيتعامل معها بالعقل الأحادى.

آه لو قبلَ أبو بكر بالتنوع، آه لو قبل عثمان بتنوع القراءة، آه لو قبل ابن عباس بتنوع التأويل، آه لو قبل الأزهر بتنوع الإفتاء، آه لو قبل المجتمع بتنوع الاعتقاد! الأحادية تكلس، والتنوع إبداع؛ ولذلك بتلك الأحادية التى نحن عليها آخرنا نركِّب «بمعنى تجميع» عربية، سواءً أكانت كورية أم يابانية، وهذا لن يبدأ بشكل فوقى، ولكن بشكل تحتى، من التعليم فى المراحل الأولى، من الطفولة؛ ولذلك فلا تنمية حتنفع دون تغيير العقول وتغيير الأسس المعرفية المؤسسة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات