.

العقل ينتج الإيمان عندما يكون مستخدمًا من جانب الدين فقط

Foto

لماذا أجاب ابن عربى عن سؤال ابن رشد عن اتفاق الدين والفلسفة بنعم ولا؟ ألم تكن العلاقة بين العقل والإيمان علاقة جدل وتوتر أكثر من كونها علاقة اتفاق وانسجام؟ أليس العقل البشرى الذى صدق وآمن بإله خالق واحد هو الذ آمن بآلهة متعددين وهو الذى آمن بقوى مقدسة غير إلهية وهو الذى أنكر ذلك كله؟ كيف كان الرشديون الأوروبيون أكثر دقة فى فهم فلسفة ابن رشد والاستفادة منها من الرشديين العرب والمسلمين؟


يحكى المتصوف الأندلسى الإمام الأكبر محيى الدين بن عربى، فى كتابه ذائع الصيت "الفتوحات المكية" عن لقاء جرى بينه وبين فيلسوف قرطبة العظيم أبو الوليد بن رشد، ما بين سنتَي ٥٧٦ و٥٧٨ هـ، ويقول عنه: "ولقد دخلت يومًا بقرطبة على قاضيها أبى الوليد ابن رشد، وكان يرغب فى لقائى لِما سمع وبلغه ما فتح الله به علىّ فى خلوتى، فكان يظهر التعجب مما سمع، فبعثنى والدى إليه فى حاجة قصدًا منه حتى اجتمع بى، فإنه كان من أصدقائه، وأنا صبى ما بقل وجهى ولا طرّ شاربى. فعندما دخلت عليه قام من مكانه إلىّ محبة وإعظامًا فعانقنى، وقال لى: نعم؟ قلت له: "نعم"، فزاد فرحه بى لفهمى عنه، ثم إنى استشعرت بما أفرحه من ذلك، فقلت له: لا، فانقبض وتغير لونه وشك فى ما عنده وقال: كيف وجدتم الأمر فى الكشف والفيض الإلهى هل هو ما أعطاه لنا النظر؟ قلت له: نعم لا، وبين نعم ولا تطير الأرواح من موادها والأعناق من أجسادها، فاصفر لونه وأخذه الأفكل وقعد يحوقل".

 

والخبر نموذجى من جهات كثيرة، فهو يقدم لنا ابن رشد كرجل يشتغل بالفلسفة وينطبع لذلك بكل سمات العقل، إذ يبدو تواضعه الخلقى فى قيامه لابن عربى عند دخوله عليه رغم كونه صبيًّا لم ينبت شاربه بعد، ثم محبته للمعرفة وشغفه بعلوم الآخرين ومعارفهم كما يتمثل فى سؤاله له، ثم ملكة النقد العقلى الأصيلة التى تحترف الشك أداة لاختبار الحقائق ولنقد العقل ذاته، ثم لا تستكين لما يحصله صاحبها من حقائق مستقرة، ولا تعتقد من الأساس فى قدرة العقل البشرى على الوصول إلى حقيقة نهائية لا يمكن نقدها أو نقضها، فضلًا عن استحالة استيعابه حقيقة مطلقة تتجاوز حدود نسبيته، وهو ما يستفاد من تشككه وغمه العميق فى النهاية.

 

من هنا أتى جواب ابن عربى الجدلى دالًّا على علاقة التوتر الطبيعية بين العقل والإيمان، وهى: "نعم ولا". وهى إجابة تحدد فى الوقت ذاته حدود العلاقة الممكنة بين الدين والفلسفة، أو الحكمة والشريعة بتعبير ابن رشد. ففى حين اعتقد ابن رشد فى وحدة الحقيقة، وفى استحالة أن تتناقض بالتالى حقيقة الحكمة والعقل مع حقيقة الشرع والدين، على ما فصّله فى كتابه "فصل المقال فى ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" بقوله: "إن الحكمة (الفلسفة) هى صاحبة الشريعة (الدين) والأخت الرضيعة.. وهما المصطحبتان بالطبع، المتحابتان بالجوهر والغريزة"، كان ابن عربى – كمتصوف وفيلسوف كذلك- أكثر وضوحًا فى نفى علاقة التوحد بين العقل والإيمان التى ابتغاها وسعى لإثباتها أو لتحقيقها ابن رشد.

 

وتفصيل المسألة أن الإيمان بالله شأن قلبى وجدانى لا يتأسس فى منطلقه وجذوره على أحكام العقل ومقتضياته، وهو معنى جوهرى تنطوى عليه "لا" ابن عربى الصارخة، أما الـ"نعم" فلا شك أنها تحدد بدورها علاقة الإيمان بالعقل ولكن من بعد آخر، جانب أنتج لنا اللاهوت الإسلامى الكلامى كله، كما أنتج محاولات الفلاسفة المسلمين المتعددة وعلى مدى قرون للتوفيق بين قواعد المنطق ونظريات الفلسفة (العقل) وبين معتقداتهم المستمدة من الدين الإسلامى وعقيدة التوحيد الإبراهيمية عمومًا.

 

وفى هذا البعد يبدو العقل كما لو كان منتجًا بدوره للإيمان على ما يتوهم الكثيرون، وإن كان فى حقيقته مستخدمًا من قبل الإيمان من أجل تأكيده وإثباته وتوطيد أسسه ودعائمه.

 

علاقة الاستخدام من قبل الإيمان للعقل هى نفسها ما يحض عليه القرآن الكريم فى آيات تعد بالمئات، وتحض كلها على النظر فى الكون، والسياحة فى الأرض، وتأمل آيات الخلق والطبيعة، والتفكر والتعقل والتدبر والنظر وما إلى ذلك. وهى الآيات التى يستفيد منها الكثيرون -توهمًا أيضًا- هذا البعد المعكوس أو المقلوب من بعدَى العلاقة بين العقل والإيمان، أى يتصورون العقل كما لو كان منتجًا للإيمان وليس مجرد خادم له. والمثال الفلسفى الشهير على هذا التصور يأتى من الفيلسوف الأندلسى ابن طفيل (1100-1185م) فى رسالته "حى بن يقظان"، ويتصور فيها قصة طفل ينشأ فى جزيرة معزولة عن الأرض ومعزول هو فيها عن سائر البشر والمعتقدات، يعيش بين الحيوانات وينمو بينها ويعلم نفسه بنفسه، ليصل بعقله واجتهاده المفرد فى النهاية إلى الإيمان بالخالق الواحد ووجود الله.

 

ولا شك أن الوصول إلى الإيمان بالله فى حالة "حى بن يقظان" أمر ممكن ومنطقى وجائز، لكنه ليس كذلك الاحتمال الوحيد، وهو ما تخبرنا به جدارية المعتقدات البشرية الهائلة فى تنوعها وتعددها عبر الثقافات المختلفة. إذ تتشكل هذه المعتقدات وتختلف بكثرة وافرة، وإن كان يمكن على وفرتها توزيعها على ثلاث فئات كبرى، هي: الإيمان التوحيدى بإله خالق، والإيمان الوثنى بآلهة متعددين، والإيمان الروحى بقوى مقدسة فاعلة فى الكون لكن غير مشخصة أى غير إلهية. وهى ثلاثة أشكال كبرى ومختلفة من أشكال الإيمان والاعتقاد توصل إليها البشر فى تاريخهم الطويل على الأرض، وتمثل كلها نتائج متعددة من نتائج استخدام الإنسان للعقل. أى أنه بنفس العقل الذى نعتقد أنه يتوزع على كل أجناس وأمم البشر بقسمة عادلة، توصل البشر إلى نتائج معتقدية مختلفة لا تصب كلها فى صالح الاعتقاد بأن العقل يؤدى إلى الإيمان ومنتج له. وهذا –قطعًا– بالإضافة إلى الفئة الرابعة وهى فئة الماديين غير المؤمنين بإله أو آلهة أو قوى مقدسة فوق الطبيعة، وهؤلاء توصلوا لمعتقدهم كذلك باستخدام نفس العقل البشرى الواحد.

 

لكن هؤلاء الذين يرتكزون إلى آيات القرآن الكريم الوافرة لإثبات دور العقل فى توليد الإيمان، والتى قلنا إنها مقلوبة أو معكوسة فى حقيقتها، يهملون -على العادة- طائفة أخرى من الآيات القرآنية تؤكد العكس وجود مصدر آخر مختلف للإيمان هو الهداية كما فى قوله تعالى: "اهدنا الصراط المستقيم"- الفاتحة: 6، أو الفطرة السوية المخلوقة كما فى قوله: "فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التى فطر الناس عليها"- الروم: 30.

 

وهو ما يجعلنا نذهب مع الأستاذ العقاد فى عنوان كتابه: "التفكير فريضة إسلامية"، إلى القول إن كل آيات العقل فى القرآن تفرض على المؤمن به العناية بالعقل، واستخدامه فى تثبيت الإيمان، والاستعانة به على ترسيخ الهداية، لكنها جميعًا لا تقول إن العقل هو طريق الوصول إلى الإيمان ابتداءً.

 

ولعل قارئ المقال يكون وصل عند هذا الحد إلى تساؤل عن أهمية هذه التفرقة بين أن يكون العقل مولدًا للإيمان وموصلًا إليه، أو يكون دليلًا أو صانع أدلة على صدق الإيمان وصحته. وضرورة التفرقة هنا كما يذهب إليها كاتب المقال تكمن فى تأكيد الاختلاف بين العقل والإيمان، ومن ثَمَّ بين دائرة العقل ومجالاته البحثية والعلمية وبين دائرة الإيمان وبحوثه الروحية والمعتقدية، أى نفس التفرقة التى استفادها الأوربيون من فلسفة "ابن رشد"، وربما يكون غياب هذه التفرقة –بالإضافة إلى عوامل حضارية أخرى بالطبع– كان السبب الحقيقى فى عدم استفادة العرب والمسلمين من نتائج الفلسفة الرشدية.

 

فما استفاده الأوربيون من فلسفة ابن رشد كان على عكس ما تؤكده هذه الفلسفة من فرضية الحقيقة الواحدة المشتركة بين الإيمان والعقل، والدين والفلسفة، والحكمة والشريعة. إذ رأى الأوربيون فى الفلسفة الرشدية بعد ترجمة مؤلفاتها للغاتهم فى مطالع عصر النهضة فى القرن الثانى عشر أن الحقيقة ليست واحدة ولكن مزدوجة، وهي: حقيقة العقل وحقيقة الإيمان، حقيقة الدين وحقيقة العلم، حقيقة الحكمة وحقيقة الشريعة، وهما حقيقتان على ازدواجهما يمكن أن يلتقيا بطريقة عقلية كما يؤكد ابن رشد، لكنهما يمكن أن لا يلتقيا كما تؤكد حقيقة تعدد المعتقد البشرى واختلافه وتوزعه بين الثقافات. ورغم أن المفكرين والباحثين المسلمين المعاصرين رأوا فى ذلك تشويهًا لفلسفة ابن رشد، فإن الظاهر أنه لم يكن تشويهًا بقدر ما كان نقلًا للفلسفة الرشدية من نطاقها الثقافى المحلى وطرحها المعتقدى الإسلامى إلى أفق فلسفى وعقلى -وكذلك دينى ومعتقدى- أوسع وأبعد وأشمل وأكثر تعددية.

 

على كل حال ينبئنا التاريخ الأوروبى نفسه أن بداية خيوط النهضة والتقدم الحضارى الأوروبى والإصلاح الدينى المسيحى تلتقى كلها عند هذه البؤرة الأساسية من بؤر الفلسفة الرشدية، أى الفصل الحاسم بين دائرة الإيمان ودائرة العقل دون نفى إمكانية الاتصال بينهما على طريقة التوظيف الدينية للعقل. ويبدأ تاريخ الإصلاح الدينى المبكر فى أوروبا منذ القرن الثالث عشر الميلادى بانقسام اللاهوت الكاثوليكى بين مدرسة التوماويين، وهى مدرسة الحقيقة الواحدة التى تؤكد توأمة وتوحد الإيمان والعقل وتعود للقديس توما الأكوينى، ومدرسة السكوتسيين نسبة إلى "دونس سكوتس" التى أنتجت لاهوتًا جديدًا يعتمد على الفصل بين العقيدة والعلم، وبين الحكمة والشريعة، وبين العقل والوحى.

 

وهى بداية يبدو أنه لا مفر منها لأى إصلاح دينى ولأى تقدم علمى وعقلى حضارى منشود.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات