.

ضلالات «القمش» فى الفقه الإسلامى

Foto

لماذا اضطر أهل الحديث إلى اتباع منهج «القمش» مع الأحاديث المنسوبة للنبى؟وما الذى تعنيه حقيقة أنه ليس كل حديث يصح رواية وإسنادًا يصح متنًا ومعنى؟ ما معنى قول «سفيان الثورى»: لو أردنا أن نحدثكم بالحديث كما سمعناه ما حدثناكم بحديث واحد؟ كيف حاول الفقه الإسلامى تأسيس أيديولوجية شمولية تتنكر لبشريتها وتحتكر العلم الإلهى وتنسبه لنفسها؟


كان لدى أهل الحديث منهج يلتزمونه بكل دقة وإخلاص حتى صار دستورًا يتحكم فى جمع المرويات المنسوبة للنبى وفى نقلها إلى الغير، يوجزه «الخطيب البغدادى» فى كتابه «آداب الراوى والسامع»، بقوله: «إذا كتبت فقمش، وإذا حدثت ففتش»، والتقميش والقمش هو جمع الشىء من ها هنا وها هنا، وهو ما يوضحه «الحافظ العراقى» باستفاضة فى «شرح التبصرة والتذكرة» بقوله: «وينبغى للطالب (طالب رواية الحديث) أن يسمع، ويكتب ما وقع له من كتاب، أو جزء على التمام، ولا ينتخبه، فربما احتاج بعد ذلك إلى رواية شىء منه لم يكن فيما انتخبه منه، وقد روينا عن ابن المبارك قال: ما انتخبت على عالم قط إلا ندمت.. وروينا عنه قال: ما جاء من منتق خير قط.. وروينا عن يحيى ابن معين قال: صاحب الانتخاب يندم، وصاحب النسخ لا يندم».

 

هذا المنهج الذى يبدو اليوم غريبًا بعض الشىء فى جمع الحديث يمكن أن يفسر لنا أمرين مهمين، الأول: هو اتساع «قماشة» الافتراء على رسول الله والكذب على لسان النبى وفبركة الأحاديث باسمه صلى الله عليه وسلم، اتساعًا مهولًا مستبشعًا أدى إلى قول «البخارى» الشهير: «أحفظ مئة ألف حديث صحيح، ومئتى ألف حديث غير صحيح»، وإلى قول «ابن حنبل»: «انتقيت المسند من سبعمئة ألف حديث وخمسين ألف حديث»، وعلى قول «مسلم»: «صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمئة ألف حديث»، وإلى قول «أبى داوود»: «كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمئة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن».. فإذا علمت بعد ذلك أن عدد الأحاديث التى شملها صحيح البخارى – مثلا – لا يزيد على 7593 حديثًا فقط، ولو استبعدنا المكرر يتناقص العدد إلى 2761 حديثًا، يحق لنا أن نتساءل عن بقية المئة ألف حديث صحيح التى حفظها البخارى، بالإضافة إلى المئتين الأخرى من الآلاف من الروايات التى صحت سندًا والتى تصدى لها وحفظها غير البخارى.

 

هذا السؤال يصل بنا إلى الأمر المهم الثانى، ويتلخص فى قاعدة تقول إنه ليس كل ما صح سندًا صح متنًا، فسلاسل الإسناد التى تشتمل على رواة الحديث متسلسلين تنازليا من زمن النبى إلى زمن الراوى الأخير للحديث، قد تشتمل كلها على رواة من الثقات، أى ممن يتم تعديلهم فيما سمى بالجرح والتعديل، ويبقى بعد ذلك احتمال قائم أبدًا أن يكون هذا الثقة قد أخطأ بخصوص هذا الحديث، والأخطاء التى يمكن تعديدها بهذا الخصوص بلا نهاية تقريبًا، مثل أخطاء السهو والنسيان والتخليط وضعف الذاكرة وألعاب الذاكرة وكبر السن وخداع الميل والهوى.. إلخ، فكان الحل المعتمد عند أهل الحديث لمعالجة هذه القضية هو «التقميش» أى جمع الروايات جمعًا كثيفًا من طرق مختلفة وبسلاسل إسناد متعددة وضربها بعضها بعضًا ثم الترجيح فيما بينها، فلعله يتبين لهم من وراء ذلك ما أصاب فيه الرواة وما أخطؤوا وما خلطوا، وأقول «لعله»، وأؤكد عليها، إذ تظل المسألة بعد كل احتياط ممكن، وكل تحفظ وتدقيق، وكما هو واضح وبيّن، مسألة احتمالية إلى حد بعيد، لا يمكن معها القول بنسبة تأكيد تبلغ الوثوق التام، ولا يمكن نفى نسبة الشكوك نهائيا، فى ألا يكون قائل هذه المروية أو ذلك الخبر هو النبى صلى الله عليه وسلم.. ولا يمكن الظن أبدا بعد مضى عشرات السنين على قول ما ذكره النبى ونقل على لسانه، أنه قد انتقل بلفظه الدقيق الذى قيل به، وتداول بنفس هيئته التى قيل بها على لسان عشرات الرواة.

 

لذلك، صار من شبه المعروف والمتواطئ عليه أن عموم ما بالأحاديث الصحيحة المنسوبة للنبى منقول بمعناه وليس بلفظه، إذ يستحيل بشريا أن يظل اللفظ كما هو ثابتا ودائرا على ألسنة بشر رواة لعشرات السنين.. ذلك أيضًا، لم يكن صحيحا على الإطلاق، ولا أخلاقيا أبدا، محاولة أهل الحديث تجريد هؤلاء الرواة والحفاظ من بشريتهم، بتصويرهم كما لو كانوا صنفا خاصا متميزا من بنى آدم، أو كأنهم ليسوا قطعا من بنى البشر، فنسبوا إليهم الكمال فى جودة الحفظ وكمال الضبط وقوة الذاكرة، وحاولوا إيهام الناس بأن كل ما سمعه هؤلاء الرواة الناقلون كان ينقش على ألواح ذاكرتهم وبصيرتهم الخارقة، فلا تفلت منه كلمة ولا يشذ منه حرف، وكأن أذهانهم وذاكراتهم فطرت على صورة خاصة غير ما فطرت عليه أذهان وواعيات البشر.. والدليل البسيط الذى ينفى هذا الزعم العجيب الواهى وغير الإنسانى، هو من فم أهل الحديث أنفسهم ومن دستورهم الجامع للأحاديث، أى من «القمش»، فقمش أهل الحديث الجامع يثبت أن الحديث الواحد يرد على ألسنة الرواة والناقلين فى صيغ وروايات كثيرة مختلفة، وكل رواية منها تختلف عن الأخرى فى اللفظ وتنحرف عنها فى المعنى، فأين ذهبت إذن هذه الذاكرات الحافظات الصيبات الخارقات التى لا تخطئ؟!

 

عموما يعلّق «ابن الجوزى» فى صراحة تامة على حديث ينسب للنبى جاء فيه: «نضّر الله امرأ سمع مقالتى فأداها كما سمعها»، فيقول: «وتأدية الحديث كما يسمع لا يكاد يحصل إلا من الكتابة لأن الحفظ خوان».. وكما هو معروف فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم، وبناء على نهى من النبى نفسه، يسمعون الأحاديث ولا يكتبونها ولا يكررون عليها، ثم يروونها بعد السنين الكثيرة، ولم تأت أول محاولة موثقة معروفة فى تدوين أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم قبل عام 100هـ على يد الخليفة الأموى «عمر بن عبدالعزيز»، ويصل البعض بها إلى أبيه «عبدالعزيز بن مروان»، أى لعام 83هـ، وذلك على أفضل الأحوال.. و«البيهقى» يروى عن «مكحول» قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة ابن الأسقع فقلنا له: حدثنا بحديث سمعته من رسول الله ليس فيه وهم ولا تزيد ولا نسيان.. فقال: هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئًا؟ فقلنا: نعم وما نحن له بحافظين جدًّا، إنا نزيد الواو والألف وننقص، فقال: هذا القرآن مكتوب بين أظهركم لا تألونه حفظًا، وإنكم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله عسى ألا يكون سمعنا لها منه إلا مرة واحدة؟ حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى».. وقد أكد «سفيان الثورى» سيد الحفاظ الكوفى الفقيه: «إن قلت إنى أحدثكم كما سمعت فلا تصدقونى فإنما هو المعنى».. وقيل له: يا أبا عبد الله، حدثنا كما سمعت. فقال: والله ما إليه سبيل، وما هو إلا المعانى.. ومن قوله كذلك: «لو أردنا أن نحدثكم بالحديث كما سمعناه ما حدثناكم بحديث واحد».

 

إن محاولة إسباغ القداسة على مرويات حديثية نسبت على لسان رواة إلى النبى ليست إلا محاولة رخيصة لبناء كهنوت أهل الفقه، لكنها محاولة قديمة راسخة كذلك فى الفقه الإسلامى للأسف الشديد، فهى تمتد إلى عصر الإمام «الشافعى» غفر الله له، وكان أول من حاول أن يجعل من مدونة الحديث وحيا من الله يضاهى وحى القرآن الكريم الذى تعهد الرحمن بحفظه، وأفرده وحده بهذا الحفظ والتعهد.. ولم يراع «الشافعى» امتلاء مدونة الحديث بآثار النزاعات والحروب الجدالية السياسية والعقائدية والفقهية التى نشبت بين المسلمين منذ وفاة النبى مفبركة كلها على لسانه صلى الله عليه وسلم.. فقد كان طموح «الشافعى»، وهو طموح الفقهاء والفقه كله من بعده إلى اليوم للأسف أيضًا، تأسيس علم عقائدى – أيديولوجى - شمولى يرتكز على مفهوم خرافى عن العلم الكلى، استعارته الحضارة الإسلامية من حضارات سابقة فى فارس والهند واليونان، متناسيا أن العلم الكلى شأن إلهى لم يعطه الله بشرًا إنسيًّا، وجاهلًا بأن المصير الوحيد للعقائد والأيديولوجيات الشمولية هو السقوط والتجاهل والنسيان والخروج من السياق الزمانى المتغير، والنفى من السياق التاريخى البشرى المتطور والمترقى دائمًا من نقص إلى نقص، دون كمال لا فى العلم ولا فى الدين، فالكمال دائمًا شأن الله وحده.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات