.

لعبة الدعاة.. نحن اخترعناها أم اخترعوها لنا؟

Foto

هل نحتاج كمسلمين إلى وجود داعية أصلاً؟ لماذا لا يوجد داعية مسيحى أو يهودى أو بوذى أو حتى سيخى؟


منذ أواخر السبعينيات حتى منتصف الثمانينيات وكنا لا نشاهد أو نسمع سوى برنامج الشيخ الشعراوى كل يوم جمعة، ويوميًّا قبل نشرة 9 على القناة الأولى حديث الروح لمدة خمس دقائق ودُمتم، كنا نسجّل أحاديث الشيخ شعراوى على شرائط كاسيت من أم التلاتة بجنيه، آنذاك، لنحتفظ بها على أساس أن صاحبها له أسلوب متفرّد وجديد وقتها فى تناول تفسير آيات القرآن الكريم واكتشاف مواطن الإعجاز اللغوى والعبقرية التعبيرية فى آيات الذكر الحكيم، فقط كنا نستمتع بمتابعة التفسير والتحليل بهذا الأسلوب المبسط والمباشر، ولماذا قال رب العزة هنا أنتم ولم يقُل أنت، وكيف أن لفظة «آلم» أو «طسم» أو «كهيعص» تحمل معانى ومدلولات كثيرة توطئ للآيات التى تضمها تلك السورة أو تلك، وهكذا كان تواصلنا مع فضيلة الإمام محمد متولى الشعراوى طوال هذه الحقبة الزمنية التى اندحرت بجيوش الغزو الوهابى وتحوَّلت الصورة تمامًا إلى ممارسات من نوع آخر تتعلَّق بالدعوة المغلفة بالترهيب والتخويف، حتى تصاعدت فصارت تتعلَّق بتكفير الآخر وتوعّده بكل الويل والثبور وعظائم الأمور بلا سبب واضح بخلاف الاختلاف، وتطوَّرت فى الأيام الأخيرة عندما دخلت فيها السياسة التى قرر أصحاب العمائم واللحى فجأة أن يتعاطوها ويلعبوا بها ومعها فى عقول المتلقين والمتابعين لهم! وعندما دانت لهم الأمور وضحكت لهم الدنيا، وأصبح لهم أكثر من 100 قناة فضائية تعرض لهم وتقدمهم وتجعلهم نجومًا وكانت السوق مهيئة لانتشارهم وازدهارهم، فكان المستوى الأعلى المتعلق بالفتاوى هو أساس مناهج هذه البرامج للداعية الإسلامى الشيخ فلان أو علان مع القطب الكبير ترتان، فسمعنا فتاوى الإرضاع والبول والمناكحة وكل ما يتعلق بالنصف الأسفل من جسم الإنسان المسلم فى العالم العربى ومصر بالتحديد، حيث المتدينين بالطبع والفطرة وباللحية والنقاب والحجاب!

 

وبغض النظر عن هذه الموضوعات وما يشابهها فلها مَن يفنّدها ويناقشها ويناظرها (حتى لو دخل السجن).. من المتخصصين، ولكننى بصدد مناقشة الأمر من زاوية المواطن الطبيعى البسيط الذى يبحث عن قوت يومه ولا يهمه على الإطلاق المعلوم من الدين بالضرورة ولا الصراع بين المذاهب الفقهية ولا تلك الحكايات والقصص المشوهة التى نقلت إلينا من فجر التاريخ لتدعم أفكارًا معينة لم تكن بحاجة إلى تلك المغالاة والتهويل والمبالغات اللا منطقية، لإثباتها وإسباغ القدسية الخيالية عليها!

 

ما حاجتنا اليوم إلى الداعية الإسلامى؟ وهل نحن فى مراحل اختيار الدين المناسب مثلاً؟ بكل تأكيد الإجابة لا، لأن الأمور استتبت منذ قرون بعيدة وأصبح وجه هذه الدنيا على ما هو، وانتهى الأمر، بمعنى أنه أصبحت التقسيمات الدولية طبقًا للأديان معروفة ومعترف بها وخلاص، هذه هى أمة الإسلام والمسلمون، وهم والحمد لله يسدوا عين الشمس حتى فى أغسطس.. وهؤلاء مسيحيون وهؤلاء هم اليهود وهؤلاء الهندوس والسيخ وعبدة البقر والشمس والقمر واللا شىء.. ومعهم أكثر من 2000 ديانة مستحدثة، وكل هؤلاء بخلاف مَن اختاروا اللا دين بس ربنا موجود، والملاحدة والزنادقة، وكل له مكانه ومنطقه ومنطقته، ولسنا مثلاً بصدد حروب فتح إسلامى ولا دفاع ضد غزو دينى من وراء البحار، والعوالم المفتوحة اليوم أتاحت التفكير والتدقيق والبحث والدراسة، فمن أراد أن يتبع الإسلام فها هو ومَن أراد غيره فليختر ما يشاء، ولن نحضر مثلاً فلانًا من دولته لنصلبه ونعذّبه حتى يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ويشهر إسلامه أو نذبحه، وإلا تحولنا إلى دواعش، وهنا فلنتوقف لندقق فى تلك الجزئية الداعشية، نعم فهذا هو أسلوب «داعش» الذى يمارسه يوميًّا لا من أجل الدعوة للإسلام ولكن فقط لأن هذا المذبوح الذى هو مسلم طبيعى يخالفه الرأى السياسى أو حتى الفكرى والثقافى، بالإضافة إلى أنه (أى داعش) يسميه المرتد أو الكافر فيقطع رقبته.. والذى يقوم به الدعاة الجدد على شاشاتهم عبارة عن خطوة أولى للوصول إلى الفكر الداعشى بلا مبالغة!

 

عندما تابعت الشيخ الذى تم تقديمه بأحد البرامج كعضو الهيئة العالمية لضمان جودة الدعوة، كان السؤال الاستهلالى فى عقلى هو: هيئة إيه دى وما المعايير التى تضمن جودة الدعوة بها، ومَن الذى وضعها؟ وهل أتت أيضًا فى الأصل من المنطقة الجنوبية بالسعودية حيث موطن الوهابية؟ أم أنها من الجهة الأوروبية كمحاولة يائسة لضرب الوهابية؟ نعم تبدو كذلك.. والهدف فيها أساسًا تعليم الطقوس العبادية وترسيخ بعض العادات المجتمعية السليمة وعمل مكتبات ومسارح كما يقول الرجل! وبالطبع تتركَّز جهودهم فى أوروبا حيث الجاليات المسلمة قليلة العدد، وإذا افترضنا جودة تلك المنظمة ومَن يشرفون عليها بالفعل، فهل توجد معايير للحكم على كفاءة مَن يعملون فى نطاق هذه الهيئة والتأكُّد من التزامهم بقوانين ومناهج وخطة العمل والدعوة كما يجب؟ ولو أننا استطعنا الإجابة عن هذه الأسئلة، فإن التساؤل اللاحق سيكون هو: ولماذا؟ يعنى وما الداعى أصلاً لكل ذلك الحراك الدعوى؟ هل هى فاعليات اجتماعية فقط؟ وهل يتحمَّل العالم بكل توتراته اليوم أى أمور مشابهة بستار دينى وإسلامى تحديدًا؟ للأسف لا. ولماذا لم نعرف داعية مسيحى أو يهودى مثلاً؟ أم أن الأمر يتعلَّق بالجهاد فى الإسلام كمحور رئيسى فيه.. يبدو الأمر شديد التعقيد.

ولو كان الغرض معرفى فقط، اللى عايز علم دينى أهو فى الكتب والمدارس والكليات المتخصصة من أجل فهم أوضح وأكثر عمقًا للدين وأحكامه وطقوس عباداته، حتى يمكن مثلاً تدريس ذلك فى حصص الدين بالمدارس أو لإلقاء الخطبة فى المساجد يوم الجمعة أو للدروس والعظات الأسبوعية واليومية والتى يذهب إليها مَن يشاء تفقهًا أكثر فى أمور الدين وفقط، أما ما يتردد ويزيد ويتناسل ويتكاثر عن الدعاة والبرامج والفاعليات الإعلامية فليس له من أثر اللهم إلا زيادة الجهل وتخصيب الأرض الصالحة لنمو بذور الإرهاب والإرهابيين، ناهيك بالتخلُّف والارتداد للعصور الظلامية، وتشويه الصورة عن المسلمين والإسلام أكثر وأكثر.

 

ورب سائل يلقى سؤاله فى وجهك على حين غرة، وهل سيتأثر الدين الإسلامى وأعداد المسلمين باختفاء برامج الدعوة والدعاة؟ الإجابة بالتأكيد لا، فمَن يسلم اليوم يسلم بإرادته الحرة وكناتج لتفكيره وبحثه فقط دون تأثير من شيوخ الفضائيات الذين لو ركز معهم أى مسلم لحدث العكس تمامًا، بمعنى أن تأثير المشايخ الفضائيين الجدد سلبى وعكسى، فهم يكرهونك فى الإسلام فورًا وبكل سهولة، وكما قال أحد الباحثين إنهم لو وجدوا فى صدر الدعوة أيام الرسول لما انتشر الإسلام، ولكانت نهايته فى مهده، لذلك قيلت صريحة لهم، ارفعوا أيديكم عن الإسلام وهو سينتشر لوحده! ثم تتواصل فى العقول منظومة الاستفسارات الباحثة عن أجوبة منطقية.. مَن الذى صنع هذا العالم من شيوخ الدعوة والفضائيين بقنواتهم؟ وهل هو محض استغلال لمجتمع جاهل ومتخلف ومتدين بطبعه مستعد فورًا للتواصل والتعاطى؟ أم أنها جاءت فى وقت كانت فيه التربة مهيأة لاستقبال هؤلاء النصابين والمتأسلمين المتاجرين بالدين؟ الإجابة هى: إن الخيارين صحيحان وبنسب متفاوتة، بالإضافة إلى الجانب الأكبر من الرد على كل التساؤلات والقاسم المشترك فى كل ما يخص هذه الأبحاث ألا وهو الغزو الوهابى القادم إلينا من الجزيرة العربية منذ عام 83 عندما بدأت فى الظهور بشائر القادمين من الخليج بتلك الأفكار، وبدأت معها ممارسات تلبس رداء الدين وتتستر بالسُّنة وتلهج بالدعاء للسلف الصالح، وما إلى ذلك من إرهاصات رأيناها وهى تخترق مجتمعنا وتتلبّسه حتى تذوب فيه ويذوب فيها لنصل اليوم إلى ما وصلنا إليه، وتصبح جماعات مثل: داعش وبيت المقدس وكتائب القسام  والسلفيين والجهاديين وأُمّهم ومرضعتهم جماعة الإخوان، هم أصحاب الإسلام ومناصروه والداعون له أمام العالم، وتقف المساندة العالمية لهم أو معارضتهم وحربهم حسب الأهواء الدولية ولعبة الحسابات السياسية، بينما موضوع الدين والدعوة وأحكام الشريعة وما إلى ذلك مجرد ترهات أو لنقل «شىء لزوم الشىء»، يعنى الذقن لزوم المشيخة والسبحة علشان التصوير والعمامة، لتكتمل صورة الداعية مع شوية الإكسسوارات والإضاءة وخلافه، وحتلاقى الملايين قاعدين متنحين قدام الشاشة وجاهزين لاستقبال أى فتاوى وحكايات، ولو لزم الأمر ممكن ينزلوا على المكان اللى حتقول لهم عليه لزوم الاعتصامات والمظاهرات والجُمع الحاسمة زى ما كان بيحصل فى الأيام السودا اللى عدت علينا فى الأربع سنين اللى فاتت، وبعدها بدأنا نفطن لمواطن الخطر وقفلنا أغلب القنوات دى، ولكننا لم نغلق بعد كل روافد الإرهاب والتخلف، خصوصًا فى المؤسسات الكبرى ذات القيمة والقامة، فليس الأمر سهلاً.. وما زال هذا الداعية أو ذاك يتنقل بين هذا الميكروفون وتلك الشاشة، بينما لا يزال موضوع تحديث الخطاب الدينى وتطويره قيد البحث والدراسة!.. ومن الآخر إحنا مالناش دعوة ومش عايزين دعاة ولا دعوة، حلّوا عن سمانا بقى يا فضيلة الشيخ منك لُه!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات