.

التنمر بلون الوجه والتنمر بازدراء الأديان

Foto

المجتمعات الإسلامية عمومًا، ومنها مصر، تحتاج إلى إعادة المنهج القرآنى والثقافة المتسامحة بين البشر داخل إطار كل دولة، وبين كل دولة وأخرى


لا نعلم جيدًا مصدر تهمة "التنمر" التى راجت فى وسائل الإعلام، وعندما عُدنا لمعاجم اللغة، نجد أنها تعنى البلطجة- التسلط - الترهيب- الاستئساد– الاستقواء، كلها من قوى ضد ضعيف، والتنمر المدرسى يكون من معلم أو معلمة ضد طالب أو طالبة، وهو نوع من الاستقواء، ولكنه لا يكون أبدًا بلطجة، ومن ثَمَّ استغربنا من تهمة التنمر، وربما كان ذلك نوعًا من تخفيف التهمة، بدلًا من أن تكون تهمة ازدراء لون بشرة تلميذ أو تلميذة.

 

كل هذا حدث بسبب ما وقع فى يوم 23 أكتوبر الماضى 2018، عندما تعرضت الطالبة "بسملة على عبد الحميد عبد الله"، 13 سنة، بالصف الثانى بمدرسة الشهيد "محمد جمال صابر" الإعدادية المشتركة بقرية "السنانية" بمحافظة دمياط، للتنمر على يد معلمها "سامى دياب المعلم" مدرس اللغة العربية، عندما طالبها بإعراب جملة اسمية، ولم يجد أية جملة إلا جملة "بسملة تلميذة سمراء"، أو "بسملة تلميذة سوداء" كما روت الطالبة وأمها، وصلت القضية إلى وزارة التربية والتعليم، ووصلت إلى كل وسائل الإعلام، وقال أحد أساتذة القانون أن المدرس المتهم مُعرّض لتهمة التمييز العنصرى، بموجب القانون الذى صدر فى عام 2012، الذى يقضى بمعاقبة أى شخص يقوم بالتمييز العنصرى ضد أى شخص... الباب 11 من الكتاب الثانى من القانون الذى نصّ على أن: "يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن ثلاثين ألف جنيه ولا تتجاوز خمسين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل مَن قام بعمل أو بالامتناع عن عمل يكون من شأنه إحداث التمييز بين الأفراد أو ضد طائفة من طوائف الناس بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة وترتب على هذا التمييز إهدار لمبدأ تكافؤ الفرص أو العدالة الاجتماعية أو تكدير للسلم العام".

القضية شائكة بالفعل، فالمدرس أخطأ بالفعل، عندما لم يجد جملة أخرى، بدلًا من كلمة "سوداء" أو "سمراء"، ونجد مثل هذا "التنمر" من مدير لمرؤوسه أو من صاحب عمل لعامل لديه، كلها تنمر أو تسلط أو قهر من قوى ضد ضعيف، وكلها المفترض تقع تحت طائلة القانون، وكذلك وفى المقابل لا نجد فرقًا بين تلك التهمة وتهمة ازدراء الأديان، حيث يمارس مثلًا السلفيون تهمة ازدراء الدين المسيحى طوال الوقت، والتعصب فى المجتمع المصرى نتيجة طبيعية لانتشار هذا الفكر السلفى، فالسلفيون يطالبون ويفعلون دائمًا ازدراء المسيحيين، يحرمون على المسلم أن يهنئ المسيحى بالعيد أو يعزيه فى حزن، ودائمًا بالفعل يتنمرون بالإخوة المسيحيين، وهو نوع من التسلط والقهر والبلطجة، ولم يُحاكم رجل دين سلفى من المشهورين على تنمره أو تسلطه أو قهره أو فتاويه ضد الأقباط.

 

هذا وقد عالج الإسلام تلك القضية، فقد روت كتب السيرة عن ابن عبّاس "أن أم المؤمنين أم سلمة ربطت حقويها (خصرها) بسبيبة -وهى ثوب أبيض- وسدلت طرفها خلفها فكانت تجره، فقالت السيدة عائشة للسيدة حفصة: انظرى ما تجر خلفها كأنه لسان كلب، فهذه كانت سخريتها، وقيل: إنها عيرتها بالقصر وأشارت بيدها أنها قصيرة، وعندما رآها النبى، صلى الله عليه وسلم، قال ما معناه إنها كلمة تعكّر بحرًا، وطلب منهما الاعتذار لها، واعتذرا بالفعل"، وقيل أيضًا: "إن صفية بنت حيى أتت رسول الله تبكى، وقالت: إن عائشة تعيرنى وتقول: يا يهودية بنت يهوديين، فقال لها رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: هلا قلت إن أبى هارون، وإن عمى موسى، وإن زوجى محمد"، فالنبى عالج الأمر بصورة كريمة، وطيّب خاطر الزوجتَين، فقد رفض النبى فعلًا هذا التنمر، وتابتا السيدتان عائشة وحفصة، ولقد قال الله سبحانه وتعالى فى القرآن الكريم فى سورة "الحجرات 11": "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَان وَمَن لَم يَتُب فأولَئك هُم الظالِمون"، وقال أيضًا فى سورة "الهمزة 1": "ويل لكل همزة لمزة"، قال الطبرى فى تفسيره : "إن الله عمَّ بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض بجميع معانى السخرية، فلا يحل لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره ولا لذنب ركبه ولا لغير ذلك"، ويشمل النهى كل الناس، مسلمًا أو غير مسلم، وهذا يعنى وجود أمر إلهى بعدم السخرية من إنسان لإنسان، وعدم التنابز أو التنمر بأصحاب العاهات، أو الأمراض، فضلًا عن عدم التنابز بسبب الدين أو المذهب أو العرق أو الأصل أو الجنس أو لون الوجه، فكل الناس لآدم، وآدم من تراب، وأن أفضل الناس هم أتقى الناس، كما قال النبى الكريم.

 

ولكن وللأسف الشديد، فإن التنابز قضية ليست غريبة على المجتمع المصرى وعلى كل المجتمعات الشرقية، رغم علم الجميع أن التنابز قضية مرفوضة دينيا وأخلاقيا بالأمر الإلهى، فنجد شتائم أو سخرية من أقوياء ضد ضعفاء، تستغل العيوب الخلقية فى السخرية أو السباب، مثل: "يا عبد يا أسود- يا قعر الحلّة- يا قصير يا يا قزعة- يا طويل يا أهبل- يا تخين يا مفش- يا رفيع يا جلد على عضم- وشك مهبب بهباب الفرن- يا أفطس- يا أعور- يا أعمى- يا أعرج- يا أكتع- يا نصرانى- يا رافضى (يعنى يا شيعى وهى شتيمة تاريخية منذ سقوط الدولة الفاطمية)- يا درزى يا ابن الدرزى (الدروز طائفة فى لبنان اسمهم علم ليس فيه مدح أو ذم، ولكنها أيضًا شتيمة تاريخية فى مصر)- يا زبالة- يا أبو ريالة.. إلخ من الجمل الشائهة والشتائم القبيحة، هذا بالطبع فضلًا عن السخرية والشتائم بالآباء والأمهات، أو حتى سبّ الدين من بعضهم لبعض، وقديمًا شتم الشاعر أبو الطيب المتنبي والى مصر كافور الأخشيدى، فى شعره، معيّرًا إياه بلون بشرته السوداء، فقال: "لا تشترى العبد إلا والعصا معه.. إن العبيد لأنجاس مناكير"، ثم هرب من مصر من وجه كافور.

 

المجتمعات الإسلامية عمومًا، ومنها مصر، تحتاج إلى إعادة المنهج القرآنى والثقافة المتسامحة بين البشر داخل إطار كل دولة، وبين كل دولة وأخرى، تحتاج لتغيير ثقافتها إلى الأفضل، ولا نريد القول إنها تحتاج إلى إعادة تربيتها من جديد.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات