.

كيف نفهم الإسلام بعيدًا عن الموروث؟

Foto

لماذا خلق الله الإنسان وركّبه على تلك الهيئة العاقلة؟ هل أصل العقيدة هو التوحيد.. أم أن الإنسان فُطر على الاعتقاد المطلق؟ ما الفرق بين الدين والعقيدة؟ كيف نستطيع أن نميز بين الإسلام كمعطى إلهى وآخر بشرى؟


إذا أردنا أن نفهم الإسلام، بل أى دين، علينا أولاً فهم مسألة الأديان، وهو الفهم الذى لا يتأتى إلا بإنشاء «تصور ذهنى» لمعنى الوجود الذى يحيطنا؛ لأن الأديان جزء من هذا الوجود، فنحن ننطلق من الكل لاكتشاف الجزء.

 

وإن كنا نؤمن أن هناك خالقًا لهذا الكون فلن تكون مشكلة فى التصور الذى ننشده، وأولى الخطوات نحو هذا التصور تصور آخر عن الإله؛ حتى نعلمه ونعلم صفاته وأفعاله، وفى هذا السياق أهم صفتين الحكمة والعلم وفعل الخلق؛ لأن الله له حكمة فى هذا الخلق ويعلم ما يصنع.

 

ولسنا فى حاجة إلى كثير من التأمل لإدراك أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذى وهبه الله العقل، فلماذا تلك الهبة؟ وهل لباقى الموجودات أديان ومعتقدات مثل التى لدى البشر؟ الإجابة موصولة بين السؤالين فى الربط بين العقل واعتناقه للدين والعقيدة، فكأن العلاقة شرطية بين العقل والاعتقاد.

 

وبالتتبع التاريخى لنشوء الأديان نجد أن الإنسان هو من طلب الدين وبحث عن الإله؛ كى يجد تفسيرًا للحياة والوجود والكون من حوله، بذلك تكون الحكمة الإلهية فى جعل الإنسان عاقلاً؛ لأن الله يعلم أن العقل سيقود البشرية إلى معرفته، أو على الأقل محاولة تصوره.

 

ويوجد آلاف الأديان والمعتقدات على الأرض، والفرق بين الدين والعقيدة أن الأول يعنى النظام الذى يحوى التفاصيل من عبادات وأحكام وشرائع... إلخ، يطبقها أهل الدين، أما العقيدة فهى التصديق بوجود إله، إضافة إلى تصور ذاته وصفاته وأفعاله على نحو ما.

 

والعلاقة بين العقيدة والدين علاقة تأسيس؛ لأنه بحسب تصورنا العقائدى سيكون فهمنا لديننا، فعلى سبيل المثال إذا كان الإله الذى نعبده دمويًّا فسيكون سلوكنا إجراميًّا، كمجرمى الإسلام الجدد، أو إن كان تصورنا أن الجبر مشيئة الرب لعباده فسيكون سلوكنا اتكاليًّا غير فاعل؛ لأن الله يريد ذلك فحسب، وهكذا.

 

وقد بدأ الإنسان وحيدًا فى رحلة بحثه عن الإله لا يملك إلا عقله حتى أعلن الله تعالى عن ذاته، ويذهب فريق من الباحثين إلى أن الدين بدأ فى صورة الخرافة والوثنية حتى ترقى الإنسان فى دينه وصولاً إلى التوحيد، فتطور الدين مرهون بتطور العقل، وفريق يرى أن عقيدة التوحيد فطرية، لم تنفك عنها أمة، وأن الوثنيات أعراض تنحرف بأصل تلك العقيدة.

 

بحسب فكرتنا عن الحكمة والعلم الإلهى فليس بين المذهبين، فى هذا السياق، فرق كبير، إذ ما يهمنا الكيفية التى خلق الله عليها الإنسان بذلك التركيب المؤهِّل للعلم به وعبادته أوحتى عبادة ما هو دونه، وهو ما يعرف بـ «غريزة الاعتقاد»، فالنفس البشرية مجبولة على الإيمان بشىء ما، ويكون دور العقل هو اكتشاف هذا الشىء بالنظر والتأمل حتى يبعث الإله برهان وجوده ودليل معرفته عبر الرسل والكتب والنبوات التى تنقى وتطهر التصورات الخرافية والعبادات الوثنية التى ذهب إليها الإنسان البدائى، أو تُقوِّم الانحرافات التى دخلت على عقيدة التوحيد الفطرية.

 

وما يمكن إضافته أن التطور سنة من سنن الكون، وقد أخبر الحكيمُ الإنسانَ وحيًا – وهذا إعلانه تعالى عن ذاته – بما يلزمه من علم عقائدى فى مرحلة معينة من التطور العقلى، والتى تسمح له باستقبال الوحى من جانب، وبالتصور المجرد للإله من جانب آخر، بعد تهالك مراحل عبادة «المحسوس» والاعتقاد فيه، وهو المعنى الذى تقرره وتحث عليه آخر رسالات الخالق للمخلوق حيث يدور ثُلثا آيات القرآن حول «التوحيد» وعلى رأسها «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ» جلَّ وعز.

 

هذا عن حكمة الله وعلمه فى خلقه للبشر، فماذا عن الوجود الذى أوجده البارئ، وجعل فيه سننه وقوانينه ومعطياته البشرية من تاريخ وثقافة وعلم وسياسة وعقائد وأديان... إلخ؟ فهذه العناصر أو المعطيات الجزئية هى التى تشكل حياة الإنسان فى هذا الوجود الكلى، فنحن مازلنا نستكشف الجزء من خلال الكل.

 

بالطبع العقائد والأديان معطيات يتداخل فيها الإلهى والبشرى، ليس بمعنى الديانات الوضعية، إنما بمعنى أن الرسالة التى يبعث الله بها إلى البشر هى من لدنه بداية ثم يتدخل العنصر البشرى فى تفسيرها وفهمها ثم إعادة إنتاج المفاهيم التى تحملها مرة أخرى فى الواقع، فتتحول إلى معطى إنسانى صرف يضاف إلى باقى العناصر أو المعطيات البشرية السالفة، وبذلك يدخل فى ثنايا المعطى التاريخى والثقافى وكذلك السياسى لاختلاط الدين بالسياسة عبر تاريخ المسلمين.

 

بهذا المنهج، ربما، نكون قد أوسعنا مجال رؤيتنا للدين عبر هذا التصور لمسألة الدين والوجود والخالق، وبالتالى نستطيع أن نفهم الإسلام بشقيه: كمعطى إلهى «الوحى» وكمعطى بشرى «التفسير» وكلاهما جزء من الوجود، لنعطى كل ذى حق حقه من التقديس أو الانتقاد، فنقدر أن نخرج من عباءة التراث والتخلى عن عبادته، لنتجه مباشرة إلى عبادة الله دون وسيط إلا قرآنه الذى أوحاه إلى الإنسان والعقل الذى وهبه له؛ ليتدبر كتابه ويعى وجوده ويعرف خالقه، ومن ثمة يُحسن عبادته، «وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات