.

لم يتلقّ النبى من جبريل مباشرة سوى خمس آيات

Foto

ألم يصادف نزول جبريل على شكل بشر وجود شبيهه دحية بن خليفة الكلبى؟ كيف أيقنت خديجة زوج الرسول أن ما يراه ويسمعه فى المنام ملك لا شيطان؟ وهل كان لدعاوى المتألهين أو المتحنفين أثر فى اعتقاد محمد أنه يوحى إليه؟


الثابت فى كتب الحديث أن جبريل كان يظهر للنبى وصحابته فى صورة إنسان، لأغراض محددة ورسائل يريد توصيلها، فقد ورد فى صحيح مسلم وسنن أبى داوود وفى السنن الكبرى وشعب الإيمان للبيهقى، وفى مستخرج أبى نعيم، وفى مسند أحمد، وفى سنن النسائى، وفى صحيح ابن خزيمة ومصنف ابن أبى شيبة، عن عمر بن الخطاب قال: «بينما نحن جلوس عند رسول الله ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبى فأسند ركبتَيه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على فخذيه، قال: يا محمد، أخبرنى عن الإسلام.

فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً.

قال: صدقت. قال: فعجبنا له، يسأله ويصدّقه. قال: فأخبرنى عن الإيمان.

قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرنى عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

قال: فأخبرنى عن الساعة.

قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل.

قال: فأخبرنى عن أماراتها.

قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء، يتطاولون فى البنيان.

قال: ثم انطلق، فلبثت مليًّا.

ثم قال لى: يا عمر، أتدرى مَن السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.

 

بل كان جبريل فى صورته الإنسية يشبه أحد الصحابة، وهو الصحابى دحية بن خليفة الكلبى، فعن السيدة عائشة، وهى تروى قصة «الخندق» التى نقلها ابن كثير فى تفسيره «3/ 480» عن الإمام أحمد: فجاءه جبريل عليه السلام -تقصد جاء للنبى- وأن على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أوضعت السلاح؟ لا والله ما وضعتِ الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بنى قريظة فقاتلهم. قالت: فلبس رسول الله لأمته وأذَّن فى الناس بالرحيل أن يخرجوا، فمر على بنى تميم وهم جيران المسجد، فقال: مَن مرَّ بكم؟ قالوا: مرَّ بنا دحية الكلبى، وكان دحية الكلبى يشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل عليه الصلاة والسلام.

وقد روى النسائى عن ابن عمر أن جبريل كان يأتى النبى فى صورة دحية الكلبى، وقال ابن حجر عن دحية أنه كان يضرب به المثل فى حسن الصورة، وجاء ذلك فى حديث عن أم سلمة، كما روى ذلك النسائى عن ابن عمر، والطبرانى عن أنس رضى الله عنه.

 

وروى عن الرسول فى كيفية نزول الوحى، قال: أحيانًا مثل صلصلة الجرس، فهو أشده علىَّ فيفصم عنى وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثّل لى الملك جبريل رجلاً فيكلمنى فأعى ما يقول.

كما روى أنه نزل على النبى فى حجرته وهو مع زوجته خديجة بنت خويلد، وأقرأها السلام عن طريق الرسول وهى لا تراه، وهو قائد الملائكة المنزلين والمردفين فى غزوة بدر، يقاتلون بجانب المؤمنين ويضربون الكافرين فوق رقابهم وعلى أطراف أصابعهم.

 

لكن النبى لم يرَه على صورته الملائكية إلا مرَّتَين، ويقال ثلاثًا: الأولى حين أتاه فى غار حراء وأنزل عليه أولى آيات القرآن من سورة العلق، فعن‏ ‏عائشة قالت: ‏أول ما بدئ به رسول الله ‏من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل ‏فلق ‏الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، وكان يخلو‏ ‏بغار حراء‏ ‏فيتحنّث ‏فيه،‏ ‏وهو التعبُّد‏ ‏الليالى ذوات العدد،‏ ‏قبل أن‏ ‏ينزع‏ ‏إلى أهله ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى ‏خديجة ‏فيتزوّد لمثلها، حتى جاءه الحق وهو فى ‏غار حراء، ‏فجاءه‏ ‏الملك، ‏فقال: ‏اقرأ.

قال: ما أنا بقارئ.

قال: فأخذنى فغطّنى ‏حتى بلغ منى الجهد، ثم ‏أرسلنى، ‏فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ.

فأخذنى ‏فغطّنى ‏الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم ‏أرسلنى،‏ ‏فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ.

فأخذنى ‏فغطّنى ‏الثالثة، ثم ‏أرسلنى،‏ ‏فقال: «اقرأ باسم ربك الذى خلق، خلق الإنسان من‏ ‏علق، ‏اقرأ وربك الأكرم». وهذه الرؤية ذكرها الله تعالى فى سورة التكوير/ 23: «ولقد رآه بالأفق المبين». وفى سورة النجم «5- 11»: «علمه شديد القوى، ذو مرة فاستوى، وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى».

 

والرؤية الثانية كانت ليلة الإسراء والمعراج عند سدرة المنتهى، ووردت تلك الرؤية فى سورة النجم «13- 14» مع إشارة إلى الرؤية الأولى: «ولقد رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى»، وقال ابن مسعود فى تفسيرها «البخارى 3232، ومسلم 174»: رأى جبريل له ستمئة جناح، وقال النووى: وهكذا قال أيضًا أكثر العلماء، وكذلك قال الواحدى، وكذلك قال ابن كثير فى تفسير القرآن العظيم «7/ 445».

 

وتختلف الروايات حول رؤية ثالثة حدثت عند انقطاع الوحى، فعن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبى وهو يحدث عن فَتُرَةِ -أى انقطاع- الوحى، فقال فى حديثه: فبينا أنا أمشى إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت رأسى، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض، فجُئثت منه رعبًا، فرجعت، فقلت: زملونى، زملونى، فدثرونى، فأنزل الله تعالى: «يا أيها المدثر.. إلى: والرجز فاهجر»، رواه البخارى «4641» ومسلم «161».

 

الثابت إذن من هذه الروايات أن النبى لم يكن يرى جبريل فى الغالب الأعم، وإنما كان يتلقّى عنه الوحى دون أن يراه، فيسمع صوتًا، أو جرسًا يتمثّل له كلام فيحفظه، وحين كان يظهر على هيئة رجل لم يعرفه غيره، رغم أنه -صلوات الله وسلامه عليه- أخبر صحابته أنه يشبه أحدهم، «فهل كان لا ينزل وشبيهه موجود بين الرجال؟ أو لا ينزل بينما الصحابة يعلمون أن شبيهه على سفر مثلاً؟»، المهم أنه لم يرَه على صورته الملائكية إلا مرّتَين، الأولى أملى عليه فيها خمس آيات فقط من سورة العلق، والثانية رآه فى سدرة المنتهى ولم يأخذ عنه شيئًا، أى أن خمس آيات فقط من مجموع القرآن الكريم تم إملاؤها بالمواجهة.

 

والثابت أيضًا فى حديث عائشة -وفى روايات فتح صدره وهو طفل وغسل قلبه، وغيرها- أن النبى كان يرى رؤى ويسمع أصوات، ويذكر معروف الرصافى فى «الشخصية المحمدية صـ35: أن محمد بقى مدة من الزمن مديدة لا يعلم ما هو هذا الرئى الذى يراه أهو ملك أم شيطان، حتى لقد ظنّه تابعًا من الجن كالتابع الذى يكون للكهان، فقال لخديجة لقد خشيت أن أكون كاهنًا، ولكنه صار أخيرًا يعتقد ما يراه ملك لا شيطان، ثم صار بعد هذا الاعتقاد يسميه إسرافيل، وأخيرًا صار يسميه جبريل، والفضل فى حصول هذا الاعتقاد لمحمد يرجع إلى خديجة فإنها هى التى ثبتته وأزالت خوفه».

 

الحاصل إذن، الذى يستشف من تلك الروايات والأحاديث أن محمدًا الذى كان طموحًا ومختلفًا وخارجًا على تقاليد آله فى عبادة الأصنام، مثل نفر قليل يسمون المتألهين، أو المتحنفين كورقة بن نوفل وعبد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث وزيد بن عمرو بن نفيل، والذى كان مطّلعًا على سير بعض مَن قال عنهم إنهم «أنبياء» مثل خالد بن سنان، وعلى عقيدة اليهود والأقباط، كان يرى رؤى ويسمع أصوات منذ كان طفلاً، ولم يكن يعلم ما هى وماذا تعنى، بل إنه كان أقرب لتفسيرها باعتبارها توابع للجان، لكن زوجته خديجة غيّرت مسار تفكيره، قبل نزول الوحى، وجعلته يعتقد أن ما يلازمه ملاك، فسمَّاه إسرافيل فى البداية، ثم طوَّر التسمية إلى جبريل لعلمه أنه مرافق «الأنبياء»، الذين هم فى فهمه ليسوا سوى بشر صالحين، يقودون الناس إلى الخير بالإيحاء، دون أن يرسلوا من الله بشكل مباشر وبالضرورة.

 

كان النبى يسمع جبريل ومَن معه من الملائكة وهم يتكلمون -فى قصة غسل القلب مثلاً- ويراهم على صورة بشر، ثم أصبح يسمع ويملى على أصحابه ما يسمعه، ولم تقترن الرؤية المباشرة للملاك على صورته الملائكية مع إملاء الوحى إلا فى الآيات الخمس الأولى من سورة العلق، حتى توفى النبى ولم يأمر بجمع ما أملاه، حتى جمعه الصحابة وأسموه قرآنًا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات