.

هل نحن فى حاجة إلى تيار إسلامى جديد؟

Foto

هل نحن فى حاجة لتعلم علوم الدين من فقه وحديث وأصول وعقيدة وهلم جرّا؟


انبرى بعض الخارجين من التنظيمات الدينية والرافضين عنفها والرافضين تطرفها، داعين إلى ما يسمى «تيار إسلامى جديد وسطى معتدل»، أما أنا فينتابنى القلق إذا سمعت كلمة «تيار»، وتعترينى الأرتكاريا إذا سمعت كلمة أنه ليس تيارًا فقط ولكنه إسلامى، أما إذا سمعت كلمة وسطى ومعتدل، عندها من الممكن أن تنتابنى هستريا الضحك، من وجهة نظرى المتواضعة أنه بمجرد أن يتخندق بعض المسلمين فى خندق ويطلقون عليه تيارًا، فهى بداية التعصب والتطرف؛ لأن حديثهم سيكون للمسلمين فقط، وتعاطفهم سيكون للمسلمين فقط، وإن تعاملوا مع الآخر، فسيتعاملون مع الآخر على أساس أنه الذمى وأنه الأدنى، وأن دين الدولة الإسلام، رغم اعتراضى الشديد على هذه المادة من الدستور، فالدولة كيان إدارى لا يفترض أن يكون له دين خاص، مهمته إدارة الدولة بكفاءة تعود بالنفع على مواطنيها. ومن ضمن هذه المنفعة، حرية الاعتقاد للجميع، وحرية ممارسة الشعائر للجميع فى أداء يتسم بالكفاءة من قبَل الدولة، وفى جو من المودة بين مواطنى الدولة وشعائرهم المختلفة. 

 

والمشكلة فى شعور هؤلاء الأفراد بحاجتهم إلى تيار جديد، فهو حنين إلى الماضى غير قادرين على مفارقته، فهذه الخنادق التى عاشوا بها طويلاً، قد غادرها البعض جسديًّا ولكنه لم يغادرها نفسيًّا «محمود عبد العزيز فى فيلم سوق المتعة». إن محترفى تلك التنظيمات كانوا قادرين على صناعة أجواء اجتماعية وإنسانية جيدة، ولكنها قائمة فى النهاية على الطائفية، وتغذى الطائفية أردنا أم أبينا، فأساس العلاقة الأول هو الدين نفسه وبعد ذلك مستوى التدين، ورغم حالات النفاق المتعددة، والانتهازية من بعض الأشخاص، فإنهم كانوا قادرين على تغليب نموذج مُرضٍ فى النهاية لطموح الكثيرين وقادر على تضليلهم أيضًا فى نفس الوقت، حتى يبذل ماله ووقته، وأحيانًا يتخلى عن حريته الشخصية طواعيةً لصنَم اسمه التنظيم.

جدمن المؤكد أن المجتمعات الحديثة قائمة على ما يُسمى بالمؤسسات الوسيطة، وتلك المؤسسات هى الأحزاب السياسية التى تسعى للوصول إلى السلطة لتحقيق برنامجها وتحقيق انحيازاتها الاقتصادية والسياسية بشكل عام، ولكنها أيضًا فى حاجة إلى مؤسسات المجتمع المدنى، أيًّا كان نشاط تلك الجمعية، فمن جمعيات ترعى الأيتام إلى جمعيات ترعى حقوق المستهلك إلى جمعيات تهتم بشؤون الطفل، حتى الجمعيات التى تهتم بالصناعات الصغيرة وتدريب السيدات على الأعمال اليدوية والحرَفية وجمعيات تهتم بشؤون المرأة، حتى الجمعيات التى تهتم بالأمور السياسية، سواءً الحريات أو حقوق المحبوسين، والحقوق الديمقراطية والسياسية، وتلك الجمعيات لو قامت بأدوارها بكفاءة، وتنوعت وتوزعت جغرافيًّا على القطر، كلٌّ حسب احتياجه، فمن المؤكد أنها ستقوم بدور نهضوى كبير فى هذا المجتمع وتكون مساعدًا للدولة ومعينًا لها؛ ولذلك يجب على الدولة دعمها معنويًّا وقانونيًّا، وأدبيًّا، ولو استطاعت دعمها ماليًّا فبها ونعمت، طبقًا للقوانين المنظمة، وربما هنا يطرح السؤال نفسه، ولماذا لا تقوم مؤسسة لتحفيظ القرآن وتعليم المسلمين أمور دينهم؟ أعتقد أن الدين تم تضخيمه بشكل كبير ومتعمد ومبالغ فيه، فمن علم للتوحيد وعلم للعقيدة، وعلم للتفسير وعلم للحديث وعلم للرجال، وعلم للفقه وعلم لأصول الفقه، وعلوم اللغة بتفريعاتها وتنويعاتها، وعلم الجَرْح والتعديل، وعشرات الملايين من الأوراق التى نُسخت وطبعت وألفت، تنأى بحملها الجبال، فهل الدين بكل هذا التعقيد؟ الصحابة الأوائل لم يكونوا يعرفون تلك العلوم ولا فكروا فى تدشينها والتنظير لها، ماذا يحتاج المسلم العادى من دينه، سواءً أكان هذا المسلم مهندسًا أم طبيبًا أم مدرسًا أم عاملا فى مصنع أم حرفيًّا؟ أيًّا كان، فهذا المسلم، يهمه تعلم طقوس دينه، وهى الصلاة والصيام والحج إن استطاع إليه سبيلاً، والزكاة، فهل يحتاج تعلم تلك الطقوس سواءً أكان الوضوء أم الصلاة أم الصيام، إلى مؤسسة؟ من المؤكد أن هذا يحتاج إلى مؤسسة، وهى المؤسسة الأهم فى هذا المجتمع والمؤسسة الأصغر وهى مؤسسة الأسرة، ربما يقول قائل: وتحفيظ القرآن، ألا يحتاج إلى مؤسسة؟ رأيى الشخصى أن هناك مبالغة فى قضية تحفيظ القرآن، وأن العصر الحالى ليس عصر الحفظ كالعصر الأول، ولكنه عصر المُقاربات والتباينات، وعصر التحليل والتفكير والعصف، ومن الضرورى طبعًا حفظ الحد الأدنى منه للقدرة على القيام بالصلاة، ورغم ذلك يجب توفير تلك الخدمة لمن يريدها، كأى خدمة يقدمها المجتمع لأبنائه، فكما يوجد مكان لتدريب السباحة فى كل منطقة، ومكان لتعليم كرة القدم، وكما يقدم المهندس خدماته للمجتمع وكما يقدم الطبيب خدمته للمجتمع، فلا مانع أن يكون هناك مكتب للتحفيظ يقوم بتلك المهمة، سواءً تم تقديمها عن طريق القطاع الخاص؛ كمكتب مستقل يدفع الضرائب، أو سيقدمها محترف بأحد المساجد بأجر رمزى أو مجانًا، فهو فى النهاية عمل ثقافى، وهى خدمة تقدم ولا تحتاج إلى تيار ولا إلى مؤسسة بالمعنى العام، ولكن مع بداية استقطاب أفراد وتجنيدهم تحت مسمى تيار أو جماعة، وتعليمهم علوم التوحيد مثلا، وأن هناك توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، وهنا يبدأ التطرف، ويبدأ الشخص فى محاكمة الناس على مستوى توحيدهم، وأن هذا توحيده به شرخ أو عقيدته مشروخة كما يسميها السلفيون، وهكذا تنتابك حالة من حالات الارتباك، مع بداية محاكمة الناس من «الكلمتين اللى تعلمتهم من شخص ورثهم عن منظِّر فاضى فى أزمنة غابرة»، أربكت المشهد الإسلامى بشكل عام، ولو كان تم حصارها داخل دائرة علم الكلام والفلسفة، لما حدثت المشكلة، ولكنها تم تعميمها وتعليمها للصغير والكبير من أبناء تلك التنظيمات، وخصوصًا السلفية، ولم يكن الصحابة الأوائل يعرفون توحيد الألوهية ولا توحيد الربوبية ولا يعرفون العام والخاص ولا المُطلق والمُقيَّد، ولا الناسخ والمنسوخ ولا القرآن قديم ولا مخلوق، وكل هذا العجن الذى ربما يكون هاما لدارسى التاريخ والفلسفة، ربما أكثر من الدارسين لعلوم الدين نفسه، وكانوا يعرفون من الدين طقوسه وأخلاقه، وهذا هو ما يهم المسلم البسيط، فلتنزِّهوا الإسلام عن التيارات والجماعات والتنظيمات، واجعلوه عامًّا لكل المسلمين، يعرفون أخلاقه وقيَمه العليا، ويعرفون طقوسه الخاصة، وهذه أمور أبسط بكثير من كل هذا التعقيد المقصود والمتعمد، وإلا كيف تُصنع الكهانة إذن؟ وكيف ينشأ الدجل؟ وكيف تنتعش سوق الشعوذة؟ إذن فلتكن التيارات عامة، سياسية كانت أو اجتماعية، ولتكن الخدمات خاصة، سواءً خدمة تقدمها الكنيسة والقساوسة فى طقوس الزواج، وفى تعليم طقوس الديانة الضرورية، كذلك يقوم بها المسجد أو الشيخ بشكل فردى وفى حدوده الدنيا، وما زلت أرى أن كليات اللاهوت أو كليات الأزهر لابد أن تتيح تعلم تلك العلوم، وهى علوم الدين وليست الدين نفسه؛ لأنها لحقت بأمور الدين بعد ذلك، ولذلك فهى علوم منشأة وليست أصلية، أن تتاح لكل الأفراد أيًّا كانت انتماءاتهم العقَدية، فليكن فى كلية أصول الدين محمد بجانب أبانوب، وزينب بجوار كريستين، وكذلك الأمر فى كليات اللاهوت، كجزء من العلوم الإنسانية، وفى هذه الحالة من الممكن أن يكون أبانوب دكتورًا ليشرح أصول الفقه، وكذلك مصطفى يكون قادرًا على أن يكون أستاذًا ليشرح الفرق بين الناسوت واللاهوت من منطلق تاريخى وفلسفى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات