.

وثيقة كشفت عن الطريقة التى راوغ بها «جاليليو» رجال الدين

Foto

لماذا شطب جاليليو على وصف لآيات الكتاب المقدس بأنها «خاطئة» وكتب بدلًا منها «تبدو غير حقيقية» وعلى كونها «تخفى» الحقائق إلى كونها «تحجب» الحقائق؟


«توجد الفلسفة فى هذا الكتاب الكبير، كتاب الكون، وهو مفتوح لنا باستمرار، ولكن لا يمكننا فهم الكتاب إذا لم نعرف اللغة التى كتب بها ولم نحاول تعلم الحروف المستخدمة فى كتابته، إنه مكتوب بلغة الرياضيات ولغتها هى الدوائر والمثلثات وأشكالٌ أخرى هندسية، وبدونها لا يستطيع الإنسان فهم حتى كلمة واحدة من الطبيعة والكون، وبدونها يضل الإنسان فى دهليزٍ كبيرٍ مظلم».

 

كُتب كتاب الكون بلغة العلم إذن كما تؤكد عبارات "جاليليو جاليلى" (1564-1642م)، أبو العلم الحديث كما أطلق عليه عالما الفيزياء الشهيران: "أينشتين" و"ستفين هوكنج". ويعود هذا اللقب الأخير إلى صمود عالم الفلك والفيزياء الإيطالى المعروف أمام اتهامات كنيسة روما له بالهرطقة، وإلى تحمّله نتائج قرار بالفصل من الجامعة وتعرضه للمحاكمة ولحكم بالسجن خُفف فى ما بعد إلى الإقامة الجبرية. وكل هذه التقلبات تسببت له فى عسر مادى شديد، مات نتيجة له بعد سنوات فقيرا معوزا. رغم ذلك لم يهتز يقينه العلمى أمام جبروت القداسة واضطهاد المتدينين، ولم يتراجع عما ثبت له علميا بالدليل القاطع أمام عقائد دينية تعمدت بالجمود وتحجرت بالتعصب واستقرت بالجهل.

 

قبل سنة 1609م وهى السنة التى تمكن فيها "جاليليو" من صنع منظار بوضع عدستين فى طرفى أنبوبين من الرصاص، كان الناس حول العالم يتوهمون أن الأرض هى مركز الكون الذى خلقه الله لحساب الإنسان، وأن الشمس وغيرها من الكواكب تدور حول الأرض، وكانوا يظنون أن النجوم ومجرة درب التبانة (الطريق اللبنى)، التى تشبه إذا تطلع إليها الإنسان فى ليلة صافية غبارا نجميا لامعا، مجرد زينة سماوية رصع بها الخالق قبة الأرض (السماء). ورغم أن "كوبرنيكوس" الراهب وعالم الفلك البولندى، كان قد صاغ من قبل ذلك بأكثر من نصف قرن نظريته الفلكية حول مركزية الشمس ودوران الأرض حولها، فإن معتقدات الكنيسة التى استقتها من تفسير الكتاب المقدس ظلت سائدة ومفروضة ومهيمنة، لا يجرؤ أحد على المساس بها بالنقد، ولا تجد الشكوك طريقا أمام جبروتها غير الصمت والخرس.

 

لكن "جاليليو" الذى تطلع فى منظاره المتطور -بمعايير زمنه التقنية- بعد أن وجهه للسماء، رأى أن الشمس لا تدور لكنها تنتقل على محورها، وأن القمر هو الذى يدور حول الأرض، وأن كوكب المشترى له عدة أقمار تدور حوله مثلما يدور القمر حول الأرض تماما، وأن الأرض كوكب صغير يدور حول الشمس، وأن مجرة درب التبانة ليست مجرد سحابة ضوئية من أجل الزينة السماوية لكنها عدد هائل من النجوم المنفصلة التى تفصل بينها مسافات شاسعة وتنعكس أضواؤها على السديم. ومن هنا بدأت محنة أبو العلم الحديث، كتب جاليليو كتابا ذكر فيه الحقائق كما رآها، وتمكن بفضل مهارته وصلته القديمة مع بابا الفاتيكان "أوربان الثامن" من الإفلات من العقوبات المتوقعة، لكنه انصاع ظاهريا لأمر الكنيسة له بعدم العودة إلى كتابة مثل هذه الأفكار -العلمية- الهرطوقية الخطيرة مرة أخرى!

 

بعد ست عشرة سنة أعاد "جاليليو" المحاولة، إذ عاد رغم الحظر لكتابة نفس الأفكار مرة أخرى، لكنه أضاف هذه المرة حقيقة أنها لا تتناقض مع تفسيره الشخصى للكتاب المقدس، فكانت الفرصة التى اقتنصها خصوم العلم الكنسيون، ولم تُجْدِ مهارة "جاليليو" هذه المرة فى الإفلات من العقوبة. عُقدت من أجل "العالم الرجيم" جلسة لمحكمة التفتيش الرومانية سنة 1632م، حكمت عليه بالسجن بتهمة الاشتباه فى الهرطقة، وخفف الحكم فى اليوم التالى إلى الإقامة الجبرية.

قبل ذلك وخلال واقعة المواجهة الأولى مع رجال الدين ومناورات "جاليليو" العديدة للإفلات، عمد إلى كتابة رسالة من سبع صفحات وجهها إلى صديق له فى 21 ديسمبر 1613م، أعلن فيها أنه لا يتمسك بنموذج "كوبرنيكوس" كحقيقة علمية رآها بعينيه ومنظاره ولكن كمجرد افتراض (!!)، وظهرت هذه الرسالة خلال محاكمة "جاليليو" ولكن بصيغتين مختلفتين، إحداهما مشددة والأخرى مخففة لا تزال محفوظة فى أرشيف الفاتيكان، مما قاد مؤرخيه إلى افتراض أن الأولى زُورت من أجل إدانته. ظلت هذه الفرضية سائدة بين المؤرخين منذ ذلك الوقت، أن رجال الكنيسة الغاضبين هم من عدّلوا نص رسالة "جاليليو" الأصلية، لتعزيز حججهم ضده وإثبات هرطقته بخط يده. لكن المفاجأة المدوية التى أُعلن عنها مؤخرا تكشف عن أن عالم الفلك والفيزياء الإيطالى هو مَن كتب الرسالتين معًا، بعد أن جعل أحد أصدقائه يشاركه فى نسخ النص المخفف منها، مدعيًا بعد توقيعه أنه النسخة الأصلية، ومن ثم أُرسلت هذه النسخة إلى الفاتيكان وبقيت هناك.

 

نص الرسالة الآخر الأكثر صراحة وتحديا والمكتشف أخيرا، يؤكد فيه "جاليليو" ضرورة أن لا تختلط العقائد الدينية بالبحث العلمي، وأنه لا ينبغى أن تُفهم أوصاف الكتاب المقدس للظواهر الطبيعية على محمل حرفى. وظل هذا النص المثير مجهولًا منذ أعيد إلى "جاليليو" بعد عرضه فى جلسة المحاكمة. ووُجد محفوظا بطريق الخطأ فى مكتبة الجمعية الملكية وهى إحدى مكتبات لندن المعروفة. كانت التعديلات التى أجراها بخطه هى الدليل على كون هذه الرسالة هى الأصلية، ففى أحد المواضع مثلًا يشير "جاليليو" إلى أن بعض الافتراضات الواردة فى الإنجيل: "خاطئة إذا ما استند المرء إلى المعنى الحرفى للكلمات"، ثم يظهر شطب فوق كلمة "خاطئة" وتوضع مكانها عبارة: "تبدو مختلفة عن الحقيقة". وفى موضع آخر يغير "جاليليو" قوله إن الكتاب المقدس "يخفى" عقائده الأساسية، ويضع مكانها كلمة: "يحجب".

 

ولا يزال الباحثون، فى ما تؤكد التقارير الصحفية، مذهولين باكتشافهم، "سليفاتورى ريكاردو" باحث العلوم ومكتشف الرسالة يقول: "لا يسعنى التصديق أنى اكتشفت الرسالة التى يعتقد جميع مؤرخى جاليليو تقريبا أنها مفقودة ولا أمل فى العثور عليها"، وما يثير الدهشة أكثر أن الرسالة ظلت لأكثر من 250 عاما محفوظة فى مكان معروف ومطروق وليس مجهولا، لكنها وثقت فى فهرس المكتبة بتاريخ 21 ديسمبر 1618، بينما كان تاريخها الحقيقى: 21 ديسمبر 1613.

 

منذ اعتكف "جاليليو" فى بيته مقضيا عليه بالإقامة الجبرية أمضى بقية حياته صامتا واهتم بدراسة حركة أقمار المشترى وتحويل التلسكوب إلى ميكروسكوب، ويقال إنه كان يراقب الكائنات الدقيقة بمجهره الجديد بلا مبالاة ودون اهتمام حقيقى، غير أن العالم كله أصبح يهتم اهتماما حقيقيا بعد ما يقترب من 500 عام على وفاته بكل أثر تخلف عن عقله الكبير الذى غيّر نظرة الإنسان للكون بفضل أفكاره وعلمه المدهش.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات