.

لماذا لم يذهب الإسلاميون إلى القدس شهداء بالملايين؟

Foto

لماذا يذهب الإسلاميون للجهاد فى معظم الدول إلا فلسطين رغم تباكيهم على الأقصى؟ كيف استغلّت قضية فلسطين لقتل الانتماء إلى مصر؟ كيف يتنصّل السلفيون من التحرُّك تجاه قضية فلسطين وغيرها؟ لماذا لا يوجد داعش فى إسرائيل؟


كثيرة هى الاعتداءات التى يقوم بها المستوطنون الإسرائيليون والحكومة الإسرائيلية كل فترة بحق شعب فلسطين، وتمر على أُمتنا العربية والإسلامية مرور الكرام، وكلنا نذكر ما حدث قبل فترة فى ذكرى خراب الهيكل داخل القدس عندما تم إغلاق المسجد الأقصى وحاول متطرفون يهود اقتحامه، وشنَّت الحكومة الإسرائيلية حملة اعتقالات واسعة بحق شباب فلسطينيين، إضافة إلى الحملات الإعلامية التى يقوم بها أولئك المتطرفون، للمطالبة بهدمه وطمس جميع المعالم الإسلامية الأثرية داخل المدينة، سعيًا لتهويدها وطرد غيرهم منها.

 

حسنًا، إننا لا نسأل الأفعى لِمَ تبثين السم، لا نسأل العقرب لِمَ غدرت، بل نتوجّه بالسؤال إلى تلك الجموع الغفيرة ذات الوجوه الغاضبة والصيحات العالية التى أشبعتنا لسنين بشعارها «ع القدس رايحين شهداء بالملايين» لِمَ لم تذهبوا؟ لم يعد دور المغلوب على أمره الذى أجادوا لعبه قبل ثورة يناير مستساغًا منهم الآن، كانوا يختبئون فى ما مضى خلف حجة قمع نظام مبارك لهم وأنهم لا يملكون حيلة ولا قدرة لفعل شىء للقضية الفلسطينية وقد أوهموا العالم أنهم ما أن يتحرروا من قبضته المحكمة حتى يذهلوا العالم بجهادهم لنصرة فلسطين وشعبها، وقد نالوا ما تمنّوا وأكثر، فقد اعتلوا سدة الحكم فى مصر، فرأيناهم يفتحون الحدود لدخول إخوانهم من تنظيم حماس إلى أراضيها ولم تذهب ملايينهم عبر نفس الحدود لتنفيذ الوعود التى تغنّوا بها لسنين طوال، أى أنهم عوضًا عن تقديم دعمهم بأى شكل من الأشكال لقطاع غزة فقد وفّروا لزملائهم الحمساويين مرتعًا فى الأراضى التى ائتمنهم الشعب المصرى على أمنها واستقلالها.

 

ولا غرابة فى الأمر، فلطالما استغلوا اسم فلسطين بما لا يخدم قضيتها ولا قضية مصر، فقد ربّت جماعة الإخوان المسلمين أجيالاً من أتباعها على التعلُّق بتلك القضية، لا لشىء سوى إضعاف انتمائهم لبلدهم وخلق هدف لهم بعيد المدى يُسهل عليها تطويعهم لأوامرها وإصرافهم عن جعل الأولوية لمصر ورخائها.

 

فلا عجب إذا ما رأينا أحد قياداتها يقول «طز فى مصر»، ولا عجب أن نشاهد قسوة أبنائها على هذا البلد وتهديد أمنه من أجل استرداد السلطة، لا عجب من تبرؤهم منه والتوجه بالانتماء إلى تركيا أو الفرار إلى أمريكا كما فعل بعض نشطائها، أمريكا التى يحمل أبناء الرئيس السابق محمد مرسى جنسيتها، إضافة إلى حمل آخرين من أبناء قيادات الجماعة جنسيات أخرى، كالبريطانية أو النمساوية.

 

وأما عن السلفيين أو الوهابية، فقد سلكوا طريقًا أكثر مكرًا فى التهرُّب من قضية فلسطين أو غيرها من القضايا السياسية، سواء خارجيًّا أو داخليًّا، إذ ربّوا أتباعهم على مبدأ أصيل فى خطبهم يسهل به إخراجهم من حالة فوران الدم وإيجابية الموقف إلى فنون برودة الأعصاب والتجاهل، مبدأ سهل اتباعه تجاه جميع المصائب من فساد أو طغيان أو أمراض اجتماعية، مع تأكيد أنه الحل الأساسى أو الوحيد لكل شىء، ألا وهو التغنّى بإصلاح الأمة جمعاء أولاً، كم مرة سمعنا فيها سلفيًّا يعلّق على أى أزمة أو ظاهرة فاسدة بأن الحل فى الرجوع إلى الله وأن نكون صالحين، فإن أصبحنا صالحين سهل علينا مواجهة أى شىء، أى أن ينشغل كل إنسان بنفسه ليصلحها، ثم بعد ذلك يتّجه إلى ما حوله. وعلينا أن نلاحظ ذلك فى سلبية السلفيين تجاه المعارك السياسية الحاسمة أو سرعة تغيير الصفوف لمن أصبحت له الغلبة.

لنعلم أن هذا المبدأ بمثابة كلمة حق يراد بها باطل يهدفون به تخدير الناس عن كل القضايا فى ما عدا إطاعتهم ونشر أفكارهم، فهم فى انتظار تحوُّل الأمة الإسلامية جمعاء إلى اتباع هذا التيار والامتثال إلى فقهه حتى تصبح مستعدة لفعل ما تطمح إليه، فالمخالفون لهذا التيار الواحد الأوحد هم سبب النكسات والمصائب، وهم سبب تعطيل الانتصارات، ذلك لأنهم بلا شك بعيدون عن الله إن لم يكونوا ضمن المؤامرة الكبرى على الإسلام، هذا إضافة إلى طمأنات الشيوخ بأن العناية الإلهية قادرة على حفظ المسجد الأقصى ومقدسات الأمة مع إضافة بعض النبوءات والأساطير التى تؤكد حتمية انهزام دولة إسرائيل واسترداد المسلمين لفلسطين، وكأنهم بكل ذلك ينتظرون المعجزات تهبط عليهم من السماء دون تحريك ساكن، ولأن أولئك الأتباع كالدمى فسهل امتصاص غضب الراغبين منهم بالجهاد فى فلسطين وتوجيههم وقتما أرادوا للجهاد فى غيرها.

وأما «داعش» الذى استفحل فى ربوع البلاد العربية والإسلامية وفرض هيمنته بقوة السلاح على الجيوش والشعوب وأقام إمارات خلافته الإسلامية الموعودة فى أكثر من بلد، «داعش» الذى يملك من العتاد والمقاتلين الكثير، إضافة إلى الثروات الأثرية والنفطية الكبيرة، «داعش» الذى تطول يداه كل بلاد العالم، ماذا قدَّم للأقصى، حلمه القديم والدائم؟ أين عملياته من تل أبيب؟ أم أنه ينتظر الاستحواذ بالكامل على جميع البلاد العربية، ومن بعد البلاد العربية بلاد الروم والأندلس قبل الشروع فى تحقيق هدفه فى تحرير فلسطين؟ لماذا أمعن فى الاتجاه شرقًا عندما نشأ فى سوريا نحو العراق وأهمل الجبهة الجنوبية للتوجُّه نحو إسرائيل؟

علينا أن نسأل: ماذا قدّمت الجماعات الإسلامية كافة التى تدَّعى السعى للجهاد والشهادة من أجل تحرير الأقصى على أرض الواقع؟ أى مكر قد مكروا بأمتنا وأى براعة امتلكوا ليجعلوا الذى حلم بالجهاد من أجل القدس طوال حياته يخرج ليفجّر نفسه فى العراق وإيطاليا؟ والذى أراد قتل الكافرين يقتل أخاه فى المذهب؟

جل ما قدَّم الإسلاميون للقدس أن دعوا على اليهود على المنابر باللعن وانكشاف العورات، وإغراق هواتفهم النقالة بأناشيد عن الأقصى، من عينة «ونداء الأقصى إدمانى فجر وجدانى وضمير الأمة يا ربى مات بلا جانى»، وقد حرصوا على أن لا تتضمن تلك الأناشيد موسيقى أكثر من حرصهم على فعل أى شىء من أجل ما يتباكون عليه.

لم يبقَ شك أنه بالفعل هناك جانٍ قتل ضمير هذه الأمة وإنسانيتها وأضاع قضيتها عامدًا، وأولئك الإسلاميون هم أول الجناة وهم خونة القضية المختبئين بيننا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات