.

ما غفل عنه حسن حنفى وأدركه الواقع

Foto

لقد خسر المثقف العربى كل معاركه الواحدة تلو الأخرى، ولم يدفعه ذلك إلى أن يكون حتى فى تواضع المثقف الغربى


من الطبيعى فى مجتمع مأزوم، حوطت حاضره المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسد آفاقه التشاؤم، أن تتصاعد فيه الاتجاهات الراديكالية والعدمية لتزدهر فى ظل انعدام فاعلية الرؤى والأيديولوجيات المعتدلة، وعجزها عن مجاراة الواقع، حتى وإن تعددت أطروحاتها فى وطننا العربى، وكان نصيب بلدنا "مصر" منها مشروع ضخم وموسوعى للدكتور حسن حنفى تحت مسمى "اليسار الإسلامى".


هذا المشروع أخرجه صاحبه للوجود مع نشر كتابه "التراث والتجديد" 1980، وكان بمثابة المقدمة العامة للعمل الضخم، ومثل غيره من المشروعات الفكرية العربية لم يلق قبولا من الواقع، ليتردد صداه فقط بين جنبات مؤتمرات وندوات وكتابات النخب، ومؤخرا اعترف الدكتور حسن حنفى بمقال له فى جريدة المصرى اليوم تحت عنوان "لماذا لم ينجح اليسار الإسلامى فى الظاهر؟" بفشل المشروع، وإن عزاه إلى ابتعاده "عن السلطة والحكم"، وأنه لم ينجح "كتنظيم حزبى لأنه ليس وراءه جماعة حزبية"، هذا بجانب الحصار الذى ضربه اليمين الدينى واليسار العلمانى حول المشروع، حسب رؤية صاحبه. 

 

رغم الاعتراف لا يختلف الدكتور حسن حنفى عن غيره من المثقفين العرب الذين يرون العلة دوما فى الواقع لا فى رؤاهم، وهو ما لم يشاركه فيه المثقف الغربى منذ ديكارت وروسو ومونتسيكيو وحتى سارتر وهيدجر وفوكو ودريدا، ذلك أن هؤلاء أساهمو بأفكارهم ورؤاهم الفلسفية فى صناعة الواقع وصوغ الوعى بمجتمعاتهم، وهو الدور الذى تحرق المثقف العربى شوقا لممارسته ولم يجد إليه سبيلا، ليُلقى باللائمة على الواقع بعد أن تجاهل أفكاره ورفض التعاطى معها.

 

لم ينتبه مثقفنا أنه كان البادئ بالتجاهل ليبادله الواقع تجاهلا بتجاهل، فالمثقف العربى كالدكتور حسن حنفى لم ينتج كنظيره الغربى مشروعا فكريا حول العالم والأشياء بل حول التراث، ليطلب بعدها تغييرا بالمجتمع مع أنه لم يكن مجالا لأفكاره وأطروحاته حتى يتجاوب معها! وهو ما انتهجه آخرون من أصحاب المشروعات التنويرية أو التجديدية كمحمد عابد الجابر والطيب تيزينى وغيرهم (والثلاثة من أصحاب الخلفيات اليسارية العلمانية! ما يعنى أن التوجه نحو التراث توجه عام لقطاع كبير من النخبة بعيدًا عن المعتقد الأيديولوجي)، تحت دعوى أن التراث ما زال حاضرا وفاعلا، وقطعا هذه ليست خصيصة لمجتمعاتنا، إنما تنتمى إلى كل المجتمعات الإنسانية، وهو ما واجهه مثلًا فلاسفة عصر الأنوار، لكن بغير أن يدوروا فى فلك التراث، حتى ولو عبر رؤى نقدية (وإن حدث ذلك كان على هامش المشروعات الفكرية)، وكانت معالجتهم له من خلال مستوى آخر تمثل فى طرح أفكار كبرى تصدت لمشكلات وأزمات المجتمعات الغربية (مثل: الحرية، الديمقراطية، الدولة، العقد الاجتماعى...)، ليواجهوا مقاومة أكثر عنفًا، عرضت العديد منهم للنفى والسجن، واضطرت بعضهم لأن يوقع كتاباته بأسماء مستعارة. 

 

إذن من هذه المقابلة الخاطفة يمكن أن نشير إلى أن نرجسية المثقف العربى هى من منعته من الاعتراف بأن فشل رؤاه فى إحداث التغيير المنشود يرجع إلى انحراف بوصلته الفكرية فى المقام الأول، ولم تفده لكمات الواقع المتتالية، عندما أفضى التنوير إلى صحوة ظلامية، والنهضة إلى مزيد من التخلف والرجعية، ومقاومة التغريب إلى الغرق فيه.

 

لقد خسر المثقف العربى كل معاركه الواحدة تلو الأخرى، ولم يدفعه ذلك إلى أن يكون حتى فى تواضع المثقف الغربى الذى رغم كل انتصاراته فى معارك التنوير ونجاحاته فى تغيير العالم يدعو ساخرًا، كما فعل ريجيس دوبريه، إلى إنشاء متحف للإنتلجنسيا، ناعيًا المثقفين: إننا نبدو فى نهايتنا، وملامح وجهنا تدل على سوء ما نحن فيه..".

هذا بينما لا يزال مثقفنا يصر رغم الفشل على أن الأمر يحتاج فقط "إلى مزيد من الزمن حتى يتحول اليسار الإسلامى إلى حركة اجتماعية تؤثر فى مسار التاريخ"، وبالتبعية فليس هناك مجال للاعتراف بأن الفشل مرجعه تجاهل الواقع ومشكلاته الحقيقية وأزماته الملحة، ولا فرصة للإقرار بأن الرؤى النقدية للتراث، كما قدمها حنفى وغيره من المثقفين العرب، لا تدفع فى اتجاه تجاوزه بقدر ما تكرس له وتعيد إنتاجه، ولا إمكانية للانتباه إلى كون مشروعات الفلسفية الغربية الحداثية ولدت موازية لحركة العلم ومواكبة لتطور الواقع ومؤثرة فيه، لتنجب مفاعيلها المابعد حداثية المتداخلة هى الأخرى مع العلم والعالم فى تفاعل هارمونى يتجاوب معه العالم ليعيد هو الآخر تشكيلها، بينما الرؤى التنويرية العربية ولدت ميتة، ليدفنها الواقع تحت وقائعه ومجرياته، فلا يكون لها أى تأثير عليه!

ما زال الأمل معقودًا رغم ذلك بعد أن خسر المثقف العربى رهانه على التجديد والتنوير من خلال الاشتباك مع التراث وإعادة قراءته ونقد أصوله ومسلماته، أن يوجه أطروحاته لفهم واقع مجتمعاتنا وأزماته أو أن يستمر على حاله، يقف، كما يقف اليوم، حاملًا خيبته الفكرية، خارج التاريخ وعلى هامش العالم.  
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات