.

الكافر كافر والمشرك مشرك والكتابى كتابى لا كافر ولا مشرك

Foto

كيف آمن الأصوليون المسيحيون فى أوربا خلال قرونهم الوسطى بأن المسلمين وثنيون يعبدون صنم النبى كما يؤمن الأصوليون المسلمون اليوم بأن المسيحيين وثنيون يعبدون صليب المسيح؟!


من بين النقاشات التى دارت مرات عديدة وأتوقع أن تدور فى المستقبل مرات عديدة أيضًا، نقاش مهم يتعلق بحقيقة أن القرآن لم يتعرض للمعتقد المسيحى المعروف والسائد بين مسيحيى العالم اليوم بشىء، لا هو ناقشه، ولا هو دحضه، ولا هو كفّره، ولا هو شرّكه، ولا تناوله من الأساس إلا بطريقة الاختلاف، أى بمحض إقرار معتقد إسلامى مغاير له فى تفصيلاته، لكنه لا يختلف عنه فى وجهة التوحيد وتنزيه الذات الإلهية فى وحدانيتها عن الشريك والمثيل. وهى حقيقة تبلغ من التأكيد أنه ما من عبارة تقرها أكثر بديهية من تفرقة القرآن الكريم ذاته بين الكفار والمشركين وبين المسيحييين واليهود من أهل الكتاب، فالكافر كافر والمشرك مشرك والكتابى كتابى لا كافر ولا مشرك، وذلك بالتحديد الدقيق للمصطلح القرآني، أما الخلط بين هذه المصطلحات فليس له مصدر آخر فى تقديرى غير التعصب الأصولى وأحقاد التكفير وخرافاته الملازمة له.

المقصود بالمعتقد المسيحى السائد اليوم والذى لم يتعرض له القرآن من قريب أو بعيد، هو المعتقد الأقنومى أو عقيدة التثليث التوحيدية، تلك التى يؤمن بها مسيحيو العالم بمختلف مذاهبهم مع اختلافات معروفة فى ما بين هذه المذاهب. والأقنوم كلمة ذات أصل سيريانى تعنى فى اللاهوت (الفقه) المسيحى: إحدى طبائع الله فى الثالوث، والكلمة لا يوجد لها نظير فى اللغة العربية وتحمل عدة معانٍ، منها: المشخص والطبيعة والذات والكيان والماهية. فالمسيح كأقنوم هو إنسان وإله فى الوقت ذاته، ابن لمريم العذراء وابن لله فى نفس الوقت.

وفى اليونانية تتكون كلمة "أقنوم" من مقطعَين، هما: "هيبو" وتعنى تحت، و"ستاسيس" وتعنى قائم أو واقف، وعلى ذلك تعنى حرفيًّا: "تحت القائم"، أى أساس ما يقوم عليه الجوهر أو الطبيعة أو الماهية، ولاهوتيًّا يطلق المسمى على كائن إلهى حقيقى له شخصيته وإرادته الخاصة به، وواحد فى الجوهر والطبيعة رغم تركيبه من أقانيم ثلاثة. فالآب فى الاعتقاد المسيحى هو الله من حيث الجوهر والأصل من حيث الأقنوم، والابن هو الله من حيث الجوهر والمولود من حيث الأقنوم، والروح القدس هو الله من حيث الجوهر والمنبثق من حيث الأقنوم. والأقانيم الثلاثة متساوية فى الجوهر، لكنها مختلفة فى نفس الآن من حيث كونها أقانيم.

والسؤال: هل تبدو لك هذه الفكرة غريبة من حيث المنطق؟ بالتأكيد نعم، لكن ذلك من وجهة المنطق العقلى البشرى فقط، وليس بمنطق الإيمان بمطلق إلهى يستحيل على العقل البشرى بمنطقه المادى إدراكه، وهنا يكمن صلب الاعتقاد المسيحى فى وحدانية الله رغم تعدد الأقانيم، اعتقاد يشبه إلى حد ما اعتقاد المسلم أن المسيح هو كلمة الله الأزلية وروح منه بحسب النص القرآنى، لكن المسلم لا يعتقد فوق ذلك -أو رغم ذلك- أن المسيح أقنوم إلهى، وهنا يكمن كل الفارق.

لكن من أين يأتى خلط الأصوليين الغريب حول ذهاب القرآن إلى تكفير المعتقد المسيحى صراحة؟ وغرابة هذا الخلط ابتداء تنبع من تناقض تصورهم أن القرآن يمكن أن يذهب إلى تكفير معتقد فى الوحدانية وفى الوجود الإلهى حتى لو اختلف معه تفصيليًّا. على كل حال ينبع هذا التصور الأصولى التكفيرى المتناقض من إساءة قراءة وخطأ تأويل قوله تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم" (المائدة: 73). سوء القراءة هنا ناجم عن توهم أن الاعتقاد فى أن الله ثالث ثلاثة هو نفسه المعتقد الأقنومى الثالوثى التوحيدى المسيحى، وهو خلط مستجد وليس قديمًا، فالمفسرون الأوائل ذهبوا إلى تحديد دقيق للمقصود بالآية، وهو تحديد ينأى كليًّا عن إدانة المعتقد المسيحى، فيقول الطبرى مثلًا: "كانوا فيما بلغنا يقولون: الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم: أبا والدا غير مولود، وابنا مولودا غير والد، وزوجا متتبعة بينهما". وكما ترى فالثالوث المشار إليه هنا أشبه ما يكون بالثالوث المصرى القديم: "إيزيس، أوزيريس، حورس"، ولا علاقة شبه بينه وبين التثليث الأقنومى على الطريقة المسيحية.

لم يكن تفسير الأوائل الذى يمثله "الطبري" للآية مستنبطًا من المأثور المتوارث وحده، ولا مشتقًّا فقط من الوضع الذى كان سائدًا فى الجزيرة العربية في أثناء تلقى النبى الرسالة ونزول الوحي، فمن المعروف تاريخيًّا أن فرقًا من المسيحيين الذين اعتبرتهم الكنائس المسيحية من الملحدين المهرطقين وجدت متنفسًا لها بعيدًا عن سلطة الكنائس فى مناطق الجزيرة العربية وبادية الشام والعراق، ومنهم فرق مثل "الكولرية" و"المريميين" الذين كانوا يعتقدون فى ثالوث شبيه بالثالوث الأوزيرى المصرى القديم، ويقومون بطقوس العبادة والتقدمة للسيدة العذراء مريم باعتبارها أم إلهة ويعتبرونها لذلك جزءا من الثالوث المسيحي، وهؤلاء من تدين الآية معتقدهم بالكفر والهرطقة مثلما أدانتهم كنائس ذلك الوقت ولا تزال تدينهم كنائس المسيحيين اليوم. لكن الأهم من ذلك أن تفسير الطبرى ومعه جمهرة المفسرين الأوائل اشتق من القرآن الكريم نفسه فى قوله تعالى: "وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك إنك أنت علام الغيوب" (المائدة: 116). وبكل تأكيد لم يقل المسيح ولم يقل المعتقد المسيحى المعروف قديما وحديثا إن المسيح وأمه إلهان فى ثالوث أدانه القرآن كما أدانته المسيحية بالكفر.

وفى الواقع فإن النظرة الأصولية التكفيرية التى لا تكتفى بإقرار الاختلاف بين التصورين التوحيدين: الإسلامى والمسيحى وتصر على وصم المعتقد المسيحى بالشرك والوثنية، تضعنا أمام وضع انقلاب تاريخى مذهل، كأننا نضع مرآة خرافية عابرة للأزمنة ونراقب فيها ما صدر عن الأصوليين المسيحيين فى القرون الوسطى، يتكرر مع الأصوليين المسلمين فى العصور الحديثة! فلم يكن الإسلام فى نظر الأصوليين المسيحيين فى القرون الوسطى بدوره غير هرطقة وثنية لم يكونوا يترددون فى تكفيرها واحتقارها وشيطنتها والسخرية منها!

ففى الحكايات الخرافية التى راجت فى كتابات أصوليى القرون الوسطى المسيحيين أن النبى الشريف اسمه "مومت" أو "موميتو" أو "ماهومت"، وأن أتباعه من المسلمين (الوثنيين) يقومون بعبادة صنمه، ولا يزال المعجم الإنجليزى الذى اشتق دلالات: الصنم والدمية ولعبة العرائس من كلمات: Maurnet ، Mammet ، Mamomet، شاهدًا على هذه الخرافة الشعبية الشنيعة. ولا شك أنه طرق سمعك من حكايات الأصوليين الخرافية وشائعاتهم البلهاء عن ممارسات الكنائس المسيحية ما يشبه ذلك وما يفوقه أحيانا خرافية وبلاهة وشناعة. ولا أعتقد أنى أزف خبرا جديدا إذا قلت إن الأصولية الإسلامية لا تزال تعيش فى قرونها الوسطى المظلمة التكفيرية المتشددة، وليس هذا فقط، بل إنها تطمح للأسف الشديد فى إعادتنا وجر العالم كله معنا إليها من جديد!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات