.

أئمة وفقهاء يتغزلون فى النساء

Foto

يمتلئ أدبنا العربى بالجيد من أشعارهم فى الحب والغزل ووصف النساء، وهذا لا ينفى عنهم سمت الوقار.


لم يترفع الفقهاء والأئمة والعلماء عن الشعر بجميع أغراضه، وكان للغزل نصيب من أشعارهم، ويمتلئ أدبنا العربى بالجيد من أشعارهم فى الحب والغزل ووصف النساء، وهذا لا ينفى عنهم سمت الوقار.

أقول ذلك لأننا نرى الآن بعض المتزمتين يرسمون صورة لرجل الدين والفقه بأنه ذلك الشخص المتجهم الفظ غليظ القلب، فقد كان كثير من الفقهاء على جلالة أقدارهم، وعلو منزلتهم، يطربون للشعر، ويهتزون استمتاعا بسماعه؛ بل أبدعوا أشعارا غزلية رائعة، والشواهد على ذلك كثيرة لم تغفلها كتب التراث.

وقد استمع النبى صلى الله عليه وسلم إلى كعب بن زهير وهو يلقى لاميته الشهيرة «بانت سعاد» والتى يبدؤها بالغزل كعادة الشعراء القدامى.

 

ويقال إن النبى صلى الله عليه وسلم كساه بردة اشتراها معاوية بعد ذلك بعشرين ألف درهم.

 

وكان عمر رضى الله عنه يتمثل بكثير من الشعر، وكان ابن عباس يصغى إلى إمام الغزليين عمر بن أبى ربيعة، ويروى شعره بكل أريحية ولا يجد غضاضة فى ذلك.

 

وكان الحسن البصرى يستشهد فى مجلس وعظه بقول الشاعر:

اليوم عندك دلها وحديثها … وغدا لغيرك كفها والمعصم

وكثير من أئمة الدين وأعلام الهدى طالما شنفوا الأسماع بأشعار غاية فى الرقة والعذوبة، ومنهم عروة بن أذينة الفقيه المحدث شيخ الإمام مالك الذى قال أبياتا بلغ من إعجاب الناس بها أن أبا السائب المخزومى لما سمعها حلف أنه لا يأكل بها طعاما إلى الليل! وفيها يقول:

 

إن التى زعمت فؤادك ملها … خلقت هواك كما خلقت هوى لها

فيك الذى زعمت بها وكلاكما … يبدى لصاحبه الصبابة كلها

هذا الشاعر الفقيه أوقد الحب فى قلبه نارا لا يطفئها الماء؛ ولكن يخمدها وصال الحبيب حيث يقول:

 

إذا وجدت أوار الحب فى كبدى … أقبلت نحو سقاء الماء أبترد

هبنى بردت ببرد الماء ظاهره … فمن لنار على الأحشاء تتقد؟!

وقد سمعت امرأة هذين البيتين فقالت له: أنت الذى يقال فيك الرجل الصالح لا والله، ما قال هذا رجل صالح قط!!

 

وكان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أحد فقهاء المدينة السبعة الذين انتهى إليهم العلم، والذى قال عنه عمر بن عبد العزيز فى خلافته: لمجلس ابن عبيد الله لو كان حيا أحب إلىّ من الدنيا وما فيها.

وإنى لأشترى ليلة من ليالى عبيد الله بألف دينار من بيت المال، فقالوا: يا أمير المؤمنين، تقول هذا مع شدة تحريك وشدة تحفظك؟ قال: أين يذهب بكم؟ والله إنى لأعود برأيه ونصيحته ومشورته على بيت المال بألوف وألوف.

وكان الزهرى يقول: سمعت من العلم شيئا كثيرا، فظننت أنى اكتفيت حتى لقيت عبيد الله فإذا ليس فى يدى شىء!

 

وهو مع ذلك الشاعر الغزل الذى يقول:

شققت القلب ثم ذررت فيه … هواك فليم فالتام الفطور

تغلغل حب عثمة فى فؤادى … فباديه مع الخافى يسير

تغلغل حيث لم يبلغ شراب … ولا حزن ولم يبلغ سرور

ولما قال هذا الشعر قيل له: أتقول مثل هذا فقال: فى اللدود، راحة المفؤود.

وهو القائل: لابد للمصدور من أن ينفث.

 

وله أبيات أخرى غاية فى الروعة والجمال يضيق المجال عن ذكرها.

 

وكان أبو السعادات أسعد بن يحيى السنجارى الفقيه الشافعى المتوفى سنة 622هـ يبهج القلوب، ويطرب الألباب بشعره وله من جملة قصيدة فى حبيب حلو الخصال كثير العشاق:

 

ومهفهف حلو الشمائل فاتر … الألحاظ فيه طاعة وعقوق

وقف الرحيق على مراشف ثغره … فجرى به من خده راووق

سدت محاسنه على عشاقه … سبل السلو فما إليه طريق

 

وكان الإمام الصوفى عبد الله بن القاسم الشهرزورى الملقب بالمرتضى، مشهورا بالفضل والدين، وكان مليح الوعظ مع الرشاقة والتجنيس، وأقام ببغداد مدة يشتغل بالحديث والفقه، ثم رجع إلى الموصل وتولى بها القضاء وروى الحديث، وله شعر رائق، فيقول بعد أن فقد صبره على حبيب أطفأ شموس الوصل عنه:

 

فعاودت قلبى أسأل الصبر وقفة … عليها فلا قلبى وجدت ولا صبرى

وغابت شموس الوصل عنى وأظلمت … مسالكه حتى تحيرت فى أمرى

فما كان إلا الخطف حتى رأيتها … محكمة والقلب فى ربقة الأسر

وكان أبو القاسم القشيرى الإمام الصوفى علامة فى الفقه والتفسير والحديث ومن فقهاء الشافعية الكبار، وهو صاحب الرسالة التى يعتدها الصوفية ككتاب سيبويه عند النحويين، ومن شعره:

 

ومن كان فى طول الهوى ذاق لذة … فإنى من ليلى لها غير ذائق

وأكثر شىء نلته من وصلها … أمانى لم تصدق كخطفة بارق

وللقاضى عبد الوهاب المالكى الفقيه المشهور المتوفى سنة 422هـ والمدفون فى قرافة مصر، وصاحب «الخبر المستفيض» غزل يتغزل فيه بلغة الفقه والقضاء، فيأتى فيه بالمرقص المطرب.

 

أما القاضى الجرجانى فكان غزله سهلا حلوا تهفو القلوب إليه ومن ذلك قوله:

 

مالى ومالك يا فراق … أبدا رحيل وانطلاق

يا نفس موتى بعدهم … فكذا يكون الاشتياق

وكان محمد بن داوود الظاهرى فقيها على مذهب أبيه داوود وكان شاعرا وله كتاب «الزهرة» وهو من أول الكتب التى عالجت موضوع الحب، وكان ابن حزم الأندلسى شاعرا وكاتبا وفيلسوفا وفقيها وله الكتاب الأشهر فى الحب وهو «طوق الحمامة»، وله أشعار كثيرة فى الحب والغزل.

 

يجب على الذين يحرمون علينا بديع الشعر، وثمرات الأدب أن يتواروا خجلا، وأن يقرؤوا ما شاؤوا ما روى عن أبى السائب المخزومى -شيخ من شيوخ قريش وسادتها- فقد سئل يوما: أترى أحدا لا يشتهى النسيب؟ فقال: أما من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا!!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات