.

المصدر الثانى للتشريع تراث بشرى وليس نبويًّا

Foto

لماذا لم يجتمع «السلف الصالح» على كتاب واحد فى الحديث، إذا كان حقًّا مصدرًا تشريعيًّا إلهيًّا ثانيًا؟ كيف تيقّن البخارى أن الأحاديث التى رواها فى كتابه «الجامع الصحيح» كلها صحيحة، وهو يعيش فى القرن الثالث الهجرى؟!


لقد اختلف المحدثون حول عدد الأحاديث النبوية الصحيحة الموجودة فى أمهات كتب الحديث على مستوى فرقة أهل السُّنة، والرأى الراجح الذى ذهب إليه ابن حجر فى «النكت على ابن الصلاح» أن جملة الأحاديث المسندة عن النبى، أى الصحيحة متصلة السند بلا تكرار، تبلغ أربعة آلاف وأربعمئة «٤٤٠٠» حديث.

 

فإذا نظرنا إلى عدد الأحاديث التى كانت منتشرة بين رُواة أهل السُّنة فى منتصف القرن الثالث الهجرى، والتى أخرج منها أحمد بن حنبل «ت ٢٤١هـ» مسنده، وجدناها سبعمئة وخمسين ألف «٧٥٠٠٠٠» حديث، والتى أخرج منها البخارى «ت ٢٥٦هـ» صحيحه، وجدناها ستمئة ألف «٦٠٠٠٠٠» حديث.

 

فإذا أردنا معرفة نسبة الصحة فى مجموع الأحاديث التى كانت منتشرة ومتداولة بين الرواة فى منتصف القرن الثالث الهجرى، فى عصر أحمد والبخارى، وجدناها ٠.٧٪ «٤٤٠٠/ ٦٠٠٠٠٠»، وهى نسبة تُسقط حجية علم الحديث من قواعده.

 

ولقد اتفق المحدثون على أن البخارى «ت ٢٥٦هـ»، ومسلم «ت ٢٦١هـ» أصحّ الكتب المصنَّفة فى الحديث، ثم تأتى بعدهما فى المرتبة الثانية كُتب السُّنن: سُنن الترمذى «ت ٢٧٠هـ»، سُنن ابن ماجة «ت ٢٧٣هـ»، سُنن أبى داوود «ت ٢٧٥هـ»، سُنن النسائى «ت ٣٠٣هـ». ثم بعدها تأتى المسانيد فى المرتبة الثالثة، وفى مقدمتها مسند الإمام أحمد بن حنبل «ت ٢٤١هـ».

 

فهل كان أصحاب هذه الكتب السبعة، الذين عاشوا جميعًا فى عصر واحد، وهو القرن الثالث الهجرى، يعلمون أن نسبة صحة الحديث المنسوب إلى النبى لم تصل إلى الواحد الصحيح «٠.٧٪»؟!

 

وإذا كانوا يعلمون، فهل يُعقل شرعًا أن يقوم على هذه النسبة مصدر تشريعى إلهى، يحمل أحاديث نبوية تكون من نصوص الدين واجبة الاتباع؟! وهل يُعقل أن يكون هذا المصدر التشريعى وحيًا إلهيا، ثم يكون سببًا فى أزمة التخاصم والتكفير بين المسلمين، وسفك دماء بعضهم بعضًا، وظهور المؤسسات الدينية المذهبية، الرسمية وغير الرسمية، وقيام التنظيمات المتطرفة التى تسعى فى الأرض فسادًا، رافعة راية العمل بكتاب الله وسُنة رسوله؟!

 

وبعيدًا عن نظرية المؤامرة وتوجهاتها السياسية، فإن أئمة السلف وأصحاب أمهات كتب التراث الدينى بكل علومها، هم الذين بأيديهم فرقوا دينهم وكانوا شيَعًا، وليس بأيدى أعدائهم، فقد جعلوا تدينهم البشرى المذهبى دينًا إلهيا، ومصدرًا تشريعيًّا، بدعوى وجوب اتباع «السلف الصالح».

 

فلماذا لم يجتمع «السلف الصالح» على كتاب واحد فى الحديث، إذا كان حقًّا مصدرًا تشريعيًّا إلهيًّا ثانيًا؟! إن البراهين العلمية الساطعة تشهد أن مسألة جمع الحديث كانت مسألة اجتهادية شخصية، لا علاقة لها بالمصدر التشريعى الإلهى، وإلا لتحملت مؤسسة الخلافة هذا العمل.

 

يروى ابن حجر فى «مقدمة فتح البارى» نقلا عن البخارى، قوله: «كنّا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنة رسول الله، فوقع ذلك فى قلبى، فأخذت فى جمع الجامع الصحيح، وخرجت كتابى من ستمئة ألف حديث، أحفظ مئة ألف حديث صحيح، ومئتى ألف حديث غير صحيح، وجعلت كتابى حجّة فى ما بينى وبين الله تعالى، وما أدخلت فى كتابى حديثًا إلا بعد أن استخرت الله وتيقنت صحته، وما تركت من الصحيح أكثر».

 

فها هو البخارى يشهد بنفسه أن مسألة جمع الأحاديث، وتدوين المصنَّفات، مسألة شخصية لا علاقة لها بمؤسسة الخلافة، فانظر إلى قوله: «فوقع ذلك فى قلبى»، أى أن البخارى «ت ٢٥٦هـ» وهو فى القرن الثالث الهجرى، لم يكتب الجامع الصحيح خوفًا من ضياع مرويّات السُّنة، التى ضاعت أصلا قبل أن تصل إلى عصره، وإنما استجابةً لطلب إسحاق بن راهويه.

 

ولكن السؤال: كيف تيقّن البخارى أن الأحاديث التى رواها فى كتابه «الجامع الصحيح» كلها صحيحة، وهو يعيش فى القرن الثالث الهجرى؟! ما معنى قوله: «وما أدخلت فى كتابى حديثًا إلا بعد أن استخرت الله وتيقنت صحته»؟! فهل تيقن من صحة الحديث بوحى من الله؟!

 

وإذا كان البخارى قد تيقن من صحة كتابه «الجامع الصحيح» بعد أن استخار الله، فلماذا ذهب يعرضه على أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلى بن المدينى، وغيرهم، ليراجعوه، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة؟! «ابن حجر، مقدمة فتح البارى».

 

وإذا كان البخارى يعتبر أحمد بن حنبل إمامًا فى الحديث، وميزانًا فى معرفة الصحيح من الضعيف، فلماذا لم يتبعه؟! وإذا كان أحمد يعتبر البخارى إمامًا فى الحديث فلماذا لم يتبعه؟!

 

ثم انظر ماذا يقول أحمد بن حنبل عن مسنده: «إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمئة وخمسين ألفًا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله فارجعوا إليه، فإن كان فيه وإلا ليس بحجة». «طبقات الشافعية للسبكى (ت ٧٧١هـ)، والمصعد الأحمد لابن الجزرى (ت ٨٣٣هـ)».

 

ويقول عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبى، رحمه الله تعالى: لمَ كرهت وضع الكتب وقد عملت المسند؟ فقال: عملت هذا الكتاب إمامًا، إذا اختلف الناس فى سُنة رسول الله رجعوا إليه. «خصائص مسند الإمام أحمد لمحمد بن عمر الأصبهانى (ت ٥٨١هـ)».

 

فها هو صاحب المرجعية الأولى لمنظومة الفكر السلفى، يذهب إلى عدم حجية كل الأحاديث التى وصلت إلى عصره والتى لم يروِها فى مسنده، بما فى ذلك أحاديث الكتب الستة، وفى مقدمتها البخارى ومسلم.

 

فإذا رجعنا إلى القرن الثانى الهجرى، وجدنا أن معظم أحاديث موطأ مالك «ت ١٧٩هـ» لم يروها أحمد فى مسنده، وأن مالكًا لم يدوّن أحاديث الموطأ خوفًا من ضياع مرويّات السُّنة، وإنما طُلب منه ذلك، فقد ذكر الطبرى فى «تاريخ الرسل والملوك» روايتين عن سبب تدوين مالك للموطأ:

 

الرواية الأولى، أن الخليفة المنصور العباسى طلب من مالك أن يُدوّن كتابًا جامعًا فى العلم، يتجنب فيه شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس، وأن يوطئه للناس، ويبعث به إلى الأمصار ليوحّد العمل به، فألف كتابه هذا، وسماه الموطأ.

 

انظر إلى هذا الشرط الذى وضعه المنصور للإمام مالك، كى يلتزم به وهو يجمع أحاديث الموطأ: «تجنب شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس». انظر كيف كان العلم فى القرن الثانى الهجرى يُفصَّل على هوى الخلفاء، وذلك مع بداية عصر التدوين.

 

الرواية الثانية، قول مالك: عرضت كتابى هذا على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة فكلهم واطأنى عليه، فسميته الموطأ، ثم جاء المهدى حاجًّا فسمعه منى وأمر لى بخمسة آلاف دينار، ولتلاميذى بألف.

 

والسؤال: لقد سبق موطأ مالك «ت ١٧٩هـ» مسند الإمام أحمد بن حنبل «ت ٢٤١هـ»، وصحيح البخارى «ت ٢٥٦هـ»، وصحيح مسلم «ت ٢٦١هـ»، بقرن من الزمان تقريبًا، فما موقف المسند من أحاديث الموطأ، الذى كان يعيش صاحبه فى دار الهجرة -المدينة المنورة- التى كانت زاخرة بكثير من التابعين، علمائهم وفقهائهم ورُواتهم، ومَن اهتموا بالتصنيف، كما يعلم المحدثون؟!

 

يقول الرامهرمزى «ت ٣٦٠هـ»، وهو صاحب أول كتاب فى علم أصول الحديث، وهو كتاب «المحدث الفاصل بين الراوى والراعى»: إن أول من صنَّف فى الحديث ورتبه على الأبواب هم: ابن جريج «ت ١٥٠هـ» بمكة، ومعمر بن راشد «ت ١٥٤هـ» باليمن، والأوزاعى «ت ١٥٧هـ» بالشام، والثورى «ت ١٦١هـ» بالكوفة، والربيع بن صبيح «ت ١٦٠هـ» وغيره بالبصرة، ومالك «ت ١٧٩هـ» وغيره بالمدينة، وابن المبارك «ت ١٨١هـ» بخراسان، وجرير بن عبد الحميد «ت ١٨٨هـ» بالرى.

 

فإذا نظرنا إلى هؤلاء المحدثين، وجدناهم جميعًا فى عصر واحد، عصر مالك، فى القرن الثانى الهجرى، فلماذا لم يجتمعوا على كتاب واحد فى الحديث، وهم الأقرب إلى عصر الرسالة من القرن الثالث الهجرى؟!

 

إن معظم أئمة السلف والخلف متفقون على أن موطأ مالك هو أقدم مؤلَّف فى الحديث وصل إلينا من القرن الثانى الهجرى، الأمر الذى جعل ابن الأثير «ت ٦٠٦هـ»، يقدمه على سائر المحدثين فى كتابه «جامع الأصول فى أحاديث الرسول». يقول عبد القادر الأرنؤوط، محقق الكتاب: «قد عمد فيه المؤلف إلى الأحاديث التى وَعَتْها الأصول الستة المعتمدة عند الفقهاء والمحدثين: الموطأ، والبخارى، ومسلم، وأبو داوود، والترمذى، والنسائى. والتى حوت معظم ما صحَّ عن النبى الكريم».

 

فإذا ذهبنا إلى الزرقانى «ت ١١٢٢هـ» شارح الموطأ، وجدناه يقول فى مقدمته: قال يحيى بن سعيد القطان «ت ١٩٨هـ»، ويحيى بن معين «ت ٢٣٣هـ»: مالك بن أنس، أمير المؤمنين فى الحديث. وقال عبد الرحمن بن مهدى «ت ١٩٨هـ»: ما بقى على وجه الأرض آمن على حديث رسول الله من مالك بن أنس، ولا أقدم عليه فى صحة الحديث أحدًا.

 

وقال القاضى أبو بكر بن العربى «ت ٥٤٣هـ»: «الموطأ هو الأصل واللباب، وكتاب البخارى هو الأصل الثانى فى هذا الباب، وعليهما بنى الجميع، كمسلم والترمذى». «عارضة الأحوذى بشرح صحيح الترمذى».

 

والسؤال: لماذا اشتهر البخارى «ت ٢٥٦هـ» بأنه أصحّ كتاب بعد كتاب الله، ولم يشتهر موطأ مالك «ت ١٧٩هـ»، وهناك فريق من المحدثين يشهدون أنه هو الأصل الأول، والبخارى الثانى؟!

 

إن ما سبق بيانه فى هذا المقال مجرد مثال يكشف حقيقة ما يسمى بالمصدر الثانى للتشريع، الذى يدَّعى أئمة السلف والخلَف من فرقة أهل السُّنة ومن باقى الفرَق الإسلامية الأخرى أنه حمل مرويات السُّنة النبوية واجبة الاتباع.

 

إن «المصدر الثانى للتشريع» لجميع الفرق والمذاهب المختلفة، تراث دينى مذهبى لا علاقة له بالدين الذى أمر الله تعالى باتباعه، والذى قال عنه: «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ».

 

فهل هناك عالم يعرف معنى العلم، وحجية البرهان العلمى، ومكانة وأهمية التحقيق العلمى، يمكن أن يعتبر المصدر الثانى للتشريع «الخاص بأئمة فرقته»، من نصوص الدين الإسلامى الذى لن يقبل الله دينًا غيره، وأئمة هذه الفرَق الإسلامية هم «الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»؟!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات