.

ادعاءات التجديد الدينى التى أدت للفاشية والعنف السياسى

Foto

كيف وظف جمال الأفغانى ورشيد رضا وحسن البنا دعوة التجديد الدينى لتحويل الإسلام لأيديولوجية طائفية تمكنهم من السلطة وبناء إمبراطورية توسعية؟ لماذا التصقت سمات الكذب والمراوغة بالإضافة إلى العنف والتكفير والاغتيال بالإسلام السياسى منذ لحظة ولادته إلى اليوم؟


يمكن اعتبار الشيخ «رشيد رضا» حلقة الوصل الأوضح تاريخيًّا بين تجديد «جمال الأفغانى» وتجديد «حسن البنا» فى الإسلام، وأنت إذا كنت مضطرًا – لسبب أو لآخر – أن تسمى ما قدمه «الأفغانى»، على مستوى تحويل الإسلام من دين سماوى إلهى عظيم يمجد الإيمان ويكرّم الإنسان إلى أيديولوجية سياسية بشرية تمجد القوة وتستعبد الإنسان، تجديدًا دينيًّا، فسيكون عليك منطقيًّا أن تعتبر الكارثة التى دهى بها «حسن البنا» المجتمعات الإسلامية تجديدًا دينيًّا كذلك!

 

كيف؟.. تعال اقرأ معى وصف الشيخ «رشيد رضا» لهدف «الأفغانى» الذى كرس له حياته، ونذر من أجله نفسه، وانتقل به بين الأقطار العربية والإسلامية يثير النفوس ويهيج الناس، وشارك من أجله فى ثورات ودبر ونفذ اغتيالات بعضها نجح مثل اغتيال شاه إيران ورئيس وزرائه وبعضها فشل مثل اغتيال الخديو «إسماعيل» فى مصر، يقول «رشيد رضا»: «إن غرضه كان ترقية دولة إسلامية أية دولة كانت فبدأ بمصر ولما أخفقت خططه فيها تعلقت آماله بفتنة المهدى – لاحظ فتنة – فى السودان ثم ببلاد إيران وأخيرًا بالدولة العثمانية».. وواضح من هذه الكلمات أن فلسفة وتحركات «الأفغانى» كانت تجرى فى نفس اتجاه فلسفة وممارسات تنظيمات الأصولية السياسية التى لجأت كلها دون استثناء إلى استخدام وسائل القوة والإرهاب والاغتيالات.. فكان بحث «الأفغانى» لا ينصرف إلى تجديد الإسلام ولكن إلى تمجيد القوة، وكان مشروعه ليس الارتقاء بمنار روحى، دينى وعلمى إسلامى، يضىء أرجاء الأرض بالإيمان والسلام والمحبة والعلم والعرفان، ولكن بناء إمبراطورية تشن الحرب وتفتح بلدان العالم باسم الإسلام.. فما هو الاختلاف بين «الأفغانى» وبين «البنا» فى هذه الحالة؟.. أظن أن الاختلاف الوحيد كان مجرد اختلاف فى سيرة حياة رجلين أملاه وضع كل منهما فى زمنه ومجتمعه، ولم يكن اختلافًا فى الفكر أو المنهج أو العقيدة أو الأسلوب.

 

لكن ما دخل «رشيد رضا» فى هذه المسألة؟.. كما سلف القول كان الشيخ بمثابة همزة الوصل الحقيقية بين فكر «الأفغانى» ومخططات «البنا»، فالرجل كان من حمل أفكار الأول وبسطها وطورها، ومد خطوطها النظرية والعملية إلى نهاياتها المنطقية، هذه النهايات التى ابتدأ منها «البنا» ببناء تنظيم يحمل على عاتقه التزود بوسائل القوة باستخدام الدين ثم الوصول للسلطة، ولو أدى به الحصول على القوة والوصول للسلطة إلى ارتكاب أبشع جرائم التزييف والتسييس الدينى والكذب والقتل والخداع والعنف والتدليس والافتراء على خصومه، الذين يتم تصويرهم فى هيئة خصوم الإسلام، وذلك كله تمهيدًا لبناء الإمبراطورية الاستعمارية الإسلامية أو كما قال عنها «البنا» الوصول إلى أستاذية العالم!

 

لكن أخطر ما فعله «رشيد رضا» ليتم رسالته الأيديولوجية كان ادعاء التجديد على قاعدة الاعتدال والوسطية والسماحة الإسلامية ثم إبراز العداء لكل تجسيدات هذه القيم فى الواقع، وعلى رأس ما يجسد هذه القيم النبيلة الحقة هو حب الأوطان والانتماء إليها.. فمن أجل أن تكون مسلما مؤدلجا بأيديولوجية القهر والعنف والقوة عليك ألا تعترف بوطن جغرافى محدد، له حدود معينة، فدولة الإسلام دولة قوة إمبراطورية توسعية تطمح إلى احتلال بلدان الأرض وقهرها، وإلى بسط هيمنتها على أوطان البشر وحكمها، وهو نفس الادعاء الذى سبق إليه «الأفغانى» واستلهمه منه وتابعه عليه «حسن البنا».. يقول الشيخ «رشيد رضا» فى مشروعه الذى قدمه للسلطان العثمانى من أجل تأسيس جمعية إسلامية تحت رعاية الخليفة: «المبدأ الذى أريد أن تقوم عليه هذه الجمعية هو الاعتقاد بأن الإخوة فى الإسلام تمحو الفوارق الجنسية والوطنية وتؤلف بين المسلمين جميعًا باعتبارهم أمة واحدة.. وغاية هذه الجمعية هى الجمع بين المسلمين فى الخضوع لناموس واحد فى العقائد والتعاليم الأدبية والأحكام الشرعية والمدنية، مع الدعوة إلى أن يكون للكل لغة واحدة عامة هى العربية، وأن تقضى على البدع والتعاليم الفاسدة، وتعمل على نشر الإسلام». ومن بين بنود المشروع الإقرار بأن: «الدين والدولة متحدان بالضرورة فى الإسلام».. ومنها أن يكون السلطان العثمانى رئيسًا أعلى لجميع المسلمين، والسبب فى ذلك فقط أنه أقوى حكامهم.

 

الآن، هل ترى فى مبادئ وتنظيم وأيديولوجية هذه الجمعية أى اختلاف مع مبادئ جماعة الإخوان وكل ما خرج من عباءتها من تنظيمات بدءًا من الجماعة الإسلامية فى السبعينيات وحتى داعش مؤخرًا؟.. لا أظن أنه يوجد مثل هذا الفارق إلا وهما، فلم يكن مشروع جمعية «رضا» المتأسلمة إلا مصداقًا لقول «البنا» فيما بعد: «الوقت الذى أضيعه – لاحظ أضيعه – فى تأليف كتاب، استغله فى تأليف مئة شاب مسلم يصير كل منهم كتابًا حيًّا ناطقًا عاملًا مؤثرًا، أرمى به بلدًا – لاحظ أرمى – من البلاد فيؤلفها كما أُلف هو».

 

أضف لذلك أن كل ما سبق من أقوال وممارسات «جمال الأفغانى» و«رشيد رضا» و«حسن البنا» تمثل مجموعة لبعضها سمات أيديولوجية القوة وفاشية التنظيم التى نسبت للإسلام زورًا بزعم تجديده، وكان الثلاثة عناوين واضحة لها، وهى الأيديولوجية التى فرضتها الأصولية الدينية على الساحة السياسية باسم الإسلام وأوصلتنا إلى ما نحن فيه اليوم من قتال دموى طائفى ومن استهانة بالمجتمعات والأوطان، ومن أخطار على وجودها ووجودنا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات