.

التفسير الذكورى للقرآن

Foto

لماذا فهم القدماء أن المرأة خلقها الله لمتعة الرجل؟ هل يمكن أن يدعو القرآن إلى السحاق؟


توضيح قبل البداية: تفسير القرآن غير القرآن تمامًا، ومهما كانت درجة اقتناعك به يظل عبارة عن فهم واستيعاب صاحب التفسير لآى التنزيل الحكيم على قدر مستواه المعرفى المحدود والمحدد زمانيًّا ومكانيًّا.

 

وفى كل التفاسير التى طالعتها، وأزعم أنه فى باقى التفاسير الأخرى، يوجد تشابه يصل إلى تطابق فى النزعة الذكورية فيما يتعلق بتفسير الآيات التى تتحدث عن علاقة الرجل بالمرأة والقواعد المنظمة لتعاملهما معًا، وهذا الأمر جاء نتيجة انعكاس لتأثير المجتمع الذكورى الصرف، حيث تربى كل أصحاب التفاسير وتشكلت عقولهم، تلك المجتمعات التى حاز فيها الرجل على كامل الحقوق ولم تنل فيها المرأة سوى ما تفضل به عليها، المجتمعات التى ظلت أصداء وأد البنات حتى لا يجلبن العار تتردد فيها لسنوات طويلة، وامتلاك الرجل لأكبر عدد من النساء تحت أى مسمى «زوجات- جوارٍ» مدعاة للفخر ودليل على القوة والسلطة والجاه.

 

كل ذلك كان ممكنًا أن يبقى تأريخا لتطور نظرة المجتمعات الإسلامية إلى المرأة، إلا إننا ورثنا من سابقينا أجيالا عن أجيال تصوراتهم تلك المصوغة بعقول ترى المرأة من متاع الدنيا الذى خلقه الله للرجل، وهذا الاعتقاد استخلصوه من الآية 14 من سورة آل عمران: «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ»، وبناء على اعتبارهم كلمة النساء جمع امرأة وفى السياق الذى ذكرت فيه مع البنين والذهب والفضة والخيل والأنعام والزرع والذين قال عنهم الله فى آخر الآية إنهم متاع الحياة الدنيا ترسخ فى الأذهان أن المرأة خلقها رب العزة لمتعة الرجل ليس أكثر.

 

يخبرنا المعجم الوسيط أن كلمة نساء يمكن أن تأتى جمعًا للمرأة وأيضًا جمع لنسىء، والنسىء هو التأخير، ولذلك يقول تعالى فى سورة التوبة:«إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ»، وعليه فإن النساء فى آية آل عمران يقصد بها الخالق ما يتأخر من المتع التى ستظهر تباعًا على امتداد الحياة إلى أن تقوم الساعة؛ لأنه جل شأنه قال «ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» أى كل ما يمكنك أن تجد من متع فى الدنيا وليس بعضًا منها؛ ولأننا نؤمن بصلاحية القرآن لكل زمان ومكان كيف نفسر ظهور السيارات والهواتف المحمولة والكمبيوتر وغيرها من الاختراعات التى صارت بكل تأكيد جزءًا من متاع الدنيا ولا تجد لها إشارة فى الآية الكريمة؟ وحتى لا يستشكل عليك وجود كلمة «بنين» وتظن أنها تفسر وجود النساء كجمع للمرأة يمكنك أن تعود إلى معجم مقاييس اللغة لابن فارس القزوينى وستعرف أن الجذر اللغوى «بنن» إليه يرجع الفعل بنى ومنه بناء وبنانه حيث يقول تعالى:«أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ، بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ» أى تركيب وتسوية بناء جسمه، والجمع بنان حيث يقول تعالى: «سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ»، ومن يفسرون بنان هنا بأطراف الأصابع جانبهم الصواب تمامًا فعلاوة على أننا لم نسمع عن تطاير أطراف أصابع المشركين يوم غزوة بدر لماذا يكون الأمر الإلهى بضرب البنان فى حين يمكن قطع اليد كلها أو قتل المشرك من الأساس؟ وجمع البنان هو بنون أو بنين حيث يقول سبحانه: «أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ» و«وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ » ووضع البنين مع الأنعام والأموال لا يمكن أن يفهم منه سوى الأبنية لا الأولاد خصوصًا أن الله حين يريد أن يتكلم عن الذرية يستخدم لفظة الأبناء أو الأولاد حيث يقول مثلًا: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا…» و«وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ …» و«كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ» و«قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا…»، وبالقطع أنا لا أقول عن كل مواضع كلمة بنين فى القرآن تأتى بمعنى أبنية لكنها تفهم من السياق فعندما يقول الله: «وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً» يكون معناها الأولاد.

 

فلنرتد مرة أخرى إلى النساء ونسأل: هل السبب الوحيد فى عدم إمكانية كون النساء فى الآية جمعًا للمرأة هو السياق الذى ذُكرت فيه؟ بالطبع لا، فبداية الآية كفيلة بهدم هذا السؤال من أساسه، فالله قال «زُيِّنَ لِلنَّاسِ» ولم يقل زين للرجال، والفرق أن الناس تضم الذكور والإناث وبناء على فهم الأقدمين تصبح الآية دعوة صريحة للسحاق، وحاش لله أن يضم كتابه المقدس ذلك.

 

طيب، هل يمكن اعتبار نقدنا للتفاسير الموجودة رغبة ومحاولة فى إهالة التراب عليها ودفنها؟ الإجابة: لا، فمن غير المنطقى ولا الموضوعى الحكم على أهل القرون الماضية بمعاييرنا، كما أنه من الطبيعى جدًّا أن تأتى تفاسيرهم بذلك الشكل وسط كل الظروف التى سبق وأشرنا إليها، لكن المستغرب والمعيب حقًّا أن تكون رؤيتنا نحن سكان الألفية الثالثة وأحفاد الثورة الصناعية الكبرى وأبناء الثورة التكنولوجية والمعلوماتية مثلهم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات