.

«هاروت وماروت» بين «عزازيل وشمهازى» و«هاروفتات وأمارتات»

Foto

لماذا اعتقد المفسرون القدماء أن هاروت وماروت هما ذاتهما عزازيل وشمهازى الواردين فى الفلكلور العبرى واعتقد المفسرون المحدثون أنهما هاروفتات وأمارتات المذكوران فى الميثولوجيا الزرادشتية؟


"واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم" "البقرة: 101".

 

حملت الآية الكريمة للمفسرين القدامى والمحدثين الكثير من الحيرة والتضارب والاختلاف فى التأويل، فاستنبط بعضهم من سياق الآيات السابقة عليها كون المقصودين بلفظ "اتبعوا" هم اليهود المعاصرون للنبى محمد، لأنهم خاصموه بالكتب التى اكتتبها الكهنة على عهد سليمان، واشتق آخرون من منطوقها القول إن المقصود هو اليهود المعاصرون للملك سليمان نفسه. ثم تحيروا فى كنه ذاك الذى تلته الشياطين على ملك سليمان، وإن كان المقصود بهم شياطين الجن (الأبالسة) أم شياطين الإنس من كهان اليهود، واختلفوا فى ما لو كان الملكان هما هاروت وماروت أم أنهما جبريل وميكال، وإن كان لفظ "الملكين" يحيل على الملوك أو الملائكة، وإن كان هاروت وماروت ملاكين أو إنسيين، وإن كانت الإشارة إلى "بابل" تعنى بتحديد مكانى أم تعنى بتحديد لون من السحر والكهانة البابلية، وكان التساؤل الأهم حول دلالة التنزيل الوارد فى الآية وإن كان يخص السحر، فهل يجوز أن ينزّل الله السحر، وإن لم يكن السحر فإلى أى معنى ينصرف النفى فى "ما" إن كانت نافية ولم تكن بمعنى "الذى"، ويتعجب "الطبرى" من نفى الكفر عن سليمان، لأنه ما عُرف اتهام لسليمان بالكفر، وهو ما يدل على عدم معرفته بما نسبته التوراة لسليمان الملك فى سفر الملوك الأول من أنه: "كان فى زمن شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى" (الملوك: 5). وبعد كل هذا تحير المفسرون المتقدمون والمتأخرون فى دلالة تعليم ما يُفرق به بين المرء وزوجه من السحر ثم تحذير الناس من استخدامه لأنه كفر: "إنما نحن فتنة"؟ هذه الحيرة يجسمها "الطبرى" فى خبر عن "القاسم بن محمد" سأله رجل: يعلمان الناس ما أنزل عليهما أم يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما؟ فقال القاسم: ما أبالى أيتهما كانت.

 

على كل حال أحالت الآية المفسرين منذ أقدم التفاسير إلى مأثورات فى الميثولوجيا والفلكلور الإسرائيلى القديم تتعلق بالتحدى بين الله والملائكة، ففى خبر يتكرر فى مختلف التفاسير يورده "ابن كثير" عن "عبد الله بن عمر" مرفوعًا للنبى ويورده "الطبرى" عن "ابن عباس" أنه قال: "إن الله أفرج السماء لملائكته ينظرون إلى أعمال بنى آدم، فلما أبصروهم يعملون الخطايا قالوا: يا رب، هؤلاء بنو آدم الذى خلقته بيدك، وأسجدت له ملائكتك، وعلمته أسماء كل شىء، يعملون بالخطايا! قال: أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا: سبحانك ما كان ينبغى لنا! قال: فأمروا أن يختاروا مَن يهبط إلى الأرض، قال: فاختاروا هاروت وماروت. فأهبطا إلى الأرض، وأحل لهما ما فيها من شىء، غير أن لا يشركا بالله شيئًا ولا يسرقا، ولا يزنيا، ولا يشربا الخمر، ولا يقتلا النفس التى حرم الله إلا بالحق. قال: فما استمرا حتى عرض لهما امرأة قد قسم لها نصف الحسن، يقال لها: "بيذخت" فلما أبصراها أرادا بها زنى، فقالت: لا إلا أن تشركا بالله، وتشربا الخمر، وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم! فقالا: ما كنا لنشرك بالله شيئا! فقال أحدهما للآخر: ارجع إليها. فقالت: لا إلا أن تشربا الخمر، فشربا حتى ثملا ودخل عليهما سائل فقتلاه، فلما وقعا فى ما وقع من الشر، أفرج الله السماء لملائكته، فقالوا: سبحانك! كنت أعلم! قال: فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فكبلا من أكعبهما إلى أعناقهما بمثل أعناق البخت، وجعلا ببابل".

 

هذه المرأة "يبذخت" التى يحيل اسمها إلى معنى "البيذخ" وهى فى القواميس تفيد معنى المرأة البدينة، ترد فى الأخبار الأخرى مرة بوصفها امرأة فى جمال كوكب الزهرة، ومرة بوصفها الكوكب نفسه متجسدًا فى هيئة امرأة، وهو مفاد خبر لدى الطبرى وابن كثير عن "السدى" يقول: "كان من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض فى أحكامهم، فقيل لهما: إنى أعطيت بنى آدم عشرًا من الشهوات فبها يعصوننى. قال هاروت وماروت: ربنا لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نزلنا لحكمنا بالعدل. فقال لهما: انزلا فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر، فاحكما بين الناس. فنزلا ببابل دنباوند فكانا يحكمان، حتى إذا أمسيا عرجا فإذا أصبحا هبطا، فلم يزلا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها فأعجبهما حسنها واسمها بالعربية "الزهرة"، وبالنبطية "بيذخت" وبالفارسية "أناهيد"، فقال أحدهما لصاحبه: إنها لتعجبنى. قال الآخر: قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك. فقال الآخر: هل لك أن أذكرها لنفسها؟ قال: نعم ولكن كيف لنا بعذاب الله؟ قال الآخر: إنا لنرجو رحمة الله. فلما جاءت تخاصم زوجها ذكرا إليها نفسها فقالت: لا حتى تقضيا لى على زوجى. فقضيا لها على زوجها ثم واعدتهما خربة من الخرب يأتيانها فيها فأتياها لذلك.
فلما أراد الذى يواقعها قالت: ما أنا بالذى أفعل حتى تخبرانى بأى كلام تصعدان إلى السماء، وبأى كلام تنزلان منها؟ فأخبراها فتكلمت فصعدت، فأنساها الله ما تنزل به فبقيت مكانها وجعلها الله كوكبًا. فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها، فقال: هذه التى فتنت هاروت وماروت، فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يطيقا فعرفا الهلكة، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فعلقا ببابل وجعلا يكلمان الناس كلامهما وهو السحر".

 

والأخبار التى تتلون فيها "الزهرة" بألوان كثيرة وتقترن بأحداث مثيرة فى محاولتها فهم خلفيات الشخوص المذكورة فى الآية وقصصها تضعنا فى مرمى الميثولوجيا الأسطورية القديمة المرتبطة بأصل كوكب الزهرة، وهو كوكب لفت نظر الإنسان منذ أقدم أزمنته واشتهرت عبادته فى مختلف الثقافات، وكان العرب ينادونه بأسماء مختلفة ويرون فيه تجسيدًا لإلهتهم "العزى". وقد استقت معظم الأخبار حول قصة الزهرة وهاروت وماروت فى التفاسير من تراث القصص الشعبى اليهودى غير التوراتى أو غير القاونى، وأصل ذلك فى كتاب "المدراش" الفولكلورى اليهودى قصة "شمهازى وعزازيل"، وفيها أنه: "عندما بدأ جيل الطوفان بعبادة الأوثان حزن الرب بعمق، فنهض الملكان شمحازى وعزازيل، وقالا: يا رب العالم لقد حدث ما توقعناه عندما خلق العالم والإنسان، قائلين: ما هو الإنسان حتى تذكره، فقال الرب: وماذا سيحل بالعالم الآن دون الإنسان؟ وعندئذ قال الملاكان: سوف نشغله نحن. فقال الرب: إننى مدرك تمامًا للعالم وأعلم أنكم إن سكنتم الأرض، سيسيطر عليكم الميل الشرير وستكونون أكثر ظلمًا من أى إنسانٍ. فجادل الملاكان: امنحنا فقط إذنا بالسكن بين البشر وسترى كيف سنقدس اسمك. فخضع الرب لرغبتهما قائلًا: اهبطا وامكثا بين البشر. وعندما جاء الملاكان إلى الأرض، ونظرا بنات البشر فى كل نعمتهن وجمالهن لم يستطعا مقاومة عاطفتيهما. رأى شمحازى عذراء تدعى إستير وفقد قلبه لها. وعدته أن تسلمه نفسها إن علمها أولا الاسم الفائق الوصف. الذى به يُصعد نفسه إلى السماء. فوافق على شرطها، لكنها ما أن علمته نطقت الاسم وأصعدت نفسها إلى السماء دون تنفيذ وعدها للملاك. فقال الرب: لأنها قد حفظت نفسها بعيدًا عن الخطيئة سنضعها بين النجوم السبع لكى لا ينساها البشر. ووُضعت فى كوكبة الثريا".

 

لكنَّ اجتهادًا مقارنًا آخر يقوم على أساس ملاحظة الأصل الفارسى للفظتَى "هاروت وماروت" يقرن بينهما وبين أسماء فارسية تعود إلى الديانة الزرادشتية التى أثرت بشدة فى العالم القديم، وهما: "هاروفتات" و"أمارتات" اللذان ينتميان إلى الشرارات الستة الإلهية (الملائكة) المنبثقة عن الإله الأوحد "أهورامزدا"، وهما يجسدان فى الميثولوجيا الزرادشتية مبدأى: الكمال والخلود. ولعلنا لاحظنا فى الخبر القرآنى زهدًا فى التحليق فى عوالم الميثولوجيا التى كانت سائدة قديمًا، ولعلنا لاحظنا كذلك أن الهدف من انتزاع الرموز الميثولوجيا من مدارها وخلفيتها لم يكن توظيفها ميثولوجيا (أسطوريًّا) بقدر ما كان إبعاد وتحجيم أثرهما الخرافى: "وما هم بضارين من أحد إلا بإذن الله". وهو ما يجعلنا نعيد التنبيه على خطأ التعامل مع القصص القرآنى على نحو حرفى، كما لو كان تأريخًا يستهدف إثبات وقائع وأحداثًا تاريخية، قفزا على تحديدات القرآن نفسه للغاية من القصص وهى استفادة العبر والعظات لا اشتقاق الأحداث والتواريخ.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات