.

القرآن فى الفكر الشعبى

Foto

هل تنقسم دلالات القرآن فى الفكر الشعبى وتتحول إلى أيديولوجيات ملغومة وأخرى مسالمة؟ كيف يمكننا تغيير النظرة التفسيرية الأحادية للقرآن فى الفكر الشعبى؟


أهجر الكتابة لشهور أخلو فيها إلى نفسى أفكر كم هو عمل شاق بل يبدو مستحيلًا، أن تصحح المفاهيم الملتبسة التى تكونت عبر قرون من تبجح المفسرين الذين ادّعوا امتلاكهم حقيقة معانى القرآن، هذه معجزة.. أن تجد مَن يسمعك بتقدير لما تبذله من جهد وليس بنوع من الترقب والتصيُّد لما ستقول، هذه معجزة أكبر، ولكن لأن الكتابة ضرورة لهؤلاء الذين يحملون فيها كوليد يتكون بداخلهم ولابد له من مخاض ثم ميلاد، لذا يكفى أن نطمح كى نزحزح هذه المفاهيم قليلًا، هذا ما أقوله لنفسى، كى أرتاح أكثر وأشعر أنه لا يزال هناك أمل عالق فى الأفق، كيف لى وكيف لأى مفكر أن يشارك فى نزع فتيل قنبلة المعنى الشعبى الراسخ فى نفوس غالبية المسلمين عن القرآن ومعانيه بصورة تعيننا على إعادة صياغة الحاضر دون الخوف من أحداث عنيفة إرهابية محتملة تنتج عن الفهم الخاطئ لمعانى القرآن كما هى حال العالم اليوم، أمل بقراءة جديدة تنجينا من كل هذا الضجيج الذى يصم آذاننا عن كل صوت عاقل وكل قلم غيور يحاول أن يبنى (عالمًا أمام النص) قادرًا على التعامل معه بوعى وحرية وليس (عالم ما وراء النص) الذى لا أظنه يأخذنا إلى أى مكان ولا يرشدنا إلى أى أرض صلبة يمكننا جميعًا الوقوف عليها، لعلنا نخلق روابط وعلاقات جديدة بين النص والمحيط الذى أصبح يقرأ فيه اليوم والذى يختلف تمامًا عن المحيط الذى نزل فيه وكان يقرأ فيه من قبل، وليتوقف الجميع عن الادعاء الواهى بأن أى منهم يحمل (المعنى الحقيقى) للنص، لأن جزءًا كبيرًا من المعنى يكمن فى تاريخ ووقت استقباله وفهمه، وهو الأمر الذى كان عليه أن يتغير على الدوام.

 

كما أن فكرة أن يكون المعنى متغيرًا بتغيُّر المجتمع والزمن لابد له أن يصبح مقبولًا جدًّا لا يصاحبه أى نوع من الفزع الشعبى الذى يصاحبه كلما لوح أحد الباحثين أو المفكرين بالضروروة الملحة لإعادة قراءة القرآن قراءة جديدة مثمرة لا يقصد بها بأية حال من الأحوال أى شكل من أشكال التنافس مع السابقين، ولكن لكونه كتابًا مقدسًا قالوا عنه إنه كتاب معاصر لكل زمان وجب علينا إعادة قراءته، لإيجاد المواءمة وكأنه نوع من التحديث الذى لا يمسه فى شىء ولكنه تحديث يخص فهمنا نحن واستقبالنا نحن لنصوصه، فإذا كان معاصرًا كيف لنا أن لا نعيد قراءته وفهمه مرة أخرى كلما لزم الأمر.

 

هؤلاء الغاضبون من محاولات إعادة قراءة النص القرآنى هم صانعو الفجوة الحقيقية بينه وبين الحاضر، وهم الفتيل الحقيقى لما قد يتفجر منه فى شكل حزام ناسف يلف خصر الفهم الخاطئ المنعزل عن كل ما يحدث من تطور، حتى نتوقف عن الانقسام حول النص، كما هى الحال فى الفهم الشعبى لمعانيه، بين مَن يطلقون على أنفسهم (المسلم الوسطى) الذى لا يتوقف أى منهم عن ترديد سورة (الكافرون) والتى دائمًا ما يختمها بصوت أعلى مما بدأها: (لكم دينكم ولى دين). وبين من يجهش بالبكاء حسرةً على غياب الغزوات والسبى وجمع الغنائم وهو المعنى الراسخ فى عقله ووجدانه: أن النص نص حرب وقتال وجهاد، الأول ينكر ويعتزل ما يؤذيه ويرفع صوته بما يحب، حتى لا يسمع الصوت الآخر الذى ينادى بالعنف والقتل وإستباحة دم ومال وعرض الأبرياء من خلق الله، لكن نتاج الصدمات التى يمارسها الفريق الثانى قولًا وفعلًا وتفجيرًا تؤدى فى كثير من الأحيان إلى ابتعاد الأول ونفوره، وهو السر الكامن وراء ظاهرة إنكار الكثير من الشباب للدين وابتعادهم عن النص باعتباره ليس وحيًا إن كان يحض على الكره والقتل، لأنها أمور بشرية لا ينادى بها إله، بينما يسهل جذب الفريق الثانى نحو العنف والإرهاب فتصير مهمة تجنيد أفراده سهلة كتجهيز قالب من الكيك الذى لا يحتاج إلى جهد أو خبرة أو حتى (نفس) كما تقول أمهاتنا عمن يجيد فنون الطهى فيتحول الشباب من الموالين للفريق الوسطى إلى لا دينيين وملحدين، بينما يتحول الشباب من الفريق الثانى إلى إرهابيين ومتشددين، حتى لو لم يحملوا سلاحًا، لذا وجب علينا أن نسعى لفك هذا التشابك الذى يحتاج إلى تفكيك النص ذاته وإعادة قراءته، لأن الفهم هنا لم يصبح نوعًا من الرفاهية التى يسعى إليها الباحثون نهمًا للتعلم، بل صار ضرورة بقاء، حتى يتسنى لنا التعايش والمضى قدمًا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات