.

النبى محمد بين عصمة الرسالة وبشرية الإنسان

Foto


ربما لم يحدث أن تعرضت طائفة من الأحاديث للإنكار والاستنكار والنفى مثل ما تعرضت تلك الأحاديث التى تحدثت عن إقدام النبى على الانتحار بسبب انقطاع الوحى. دوافع نفى متون هذه الأحاديث كثيرة، على رأسها تناقض الإقدام على الانتحار مع عصمة الأنبياء، وعلى ما يمتاز به مفهوم عصمة الأنبياء من غموض بسبب ما اعترى سيرتهم جميعًا من وقائع يمكن نسبتها إلى الخطأ البشرى، وعلى ما يتضارب به مفهوم العصمة مع آيات القرآن ذاتها، كقوله تعالى مخاطبًا النبى: "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ" "الكهف: 110"، فإن واحدة من أقوى محاولات توفيق مفهوم العصمة مع آيات القرآن وسير الأنبياء تلك التى قدمها الإمام محمد عبده، وأثبت فيها العصمة كاملة للأنبياء بقوله: "فهم فى الدنيا كأنهم ليسوا من أهلها، هم وفد الآخرة فى لباس من ليس من سكانها"، لكنه يعود وينفيها عنهم فى ما لا يتصل بالأمانة فى تبليغ رسالة السماء ويقول: "فى ما عدا ذلك فهم بشر يعتريهم ما يعترى سائر أفراده، يأكلون ويشربون وينامون ويسهرون وينسون فى ما لا علاقة له بتبليغ الأحكام، ويمرضون وتمتد إليهم أيدى الظلمة، وينالهم الاضطهاد، وقد يقتلون". والظاهر أن هذا الاجتهاد التوفيقى على ذكائه ودقته لا يحل الإشكالية فى ما يتعلق بأحاديث انتحار النبى، لأنه يعيدنا للسؤال عما إذا كان فعلٌ مثل الإقدام على الانتحار يتعلق بنطاق تبليغ رسالة السماء أم لا؟

 

جواب مستنكرى الحديث أن عصمة تبليغ الرسالة الإلهية تتنافى مع الإقدام على الانتحار، لأنه فعل محرّم تحريمًا قاطعًا، ويستشهدون لذلك بنصوص مأثورة عن النبى، مثل حديث أبى هريرة الذى يعزو للنبى القول: "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو فى نار جهنم يتردى خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سُمًّا فقتل نفسه فسُمه فى يده يتحساه فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته فى يده يجأ بها فى بطنه فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا". ومع أن الحديث يدور حول وعيد بالنار لذنب لم تشخصه آيات القرآن الكريم مع وصف مفصل لعقوبته فى النار كذلك، إلا أن قصارى ما يمكن قوله بشأنه أنه يتوعد بعقوبة للانتحار كما تتوعد نصوص آيات وأحاديث أخرى بعقوبات أخروية لمخالفة تعاليم وأوامر إلهية أتى بها الإسلام مثل ترك الصلاة مثلًا، ويعنى ذلك أننا بصدد عقوبة تالية على تبليغ الرسالة ونزول الوحى، وهو ما لا ينطبق زمنيًّا على وضع الرسول المبلّغ عند انقطاع الوحى فى بدايته وقبل أن يصبح تكفير المنتحر واردًا.

 

الأحاديث التى تدور حول إقدام النبى على الانتحار عديدة، الأهم منها ما أورده صحيح البخارى برقم (6581) فى كتاب "التعبير" باب "ما بدئ به رسول الله من الوحى الرؤيا الصالحة"، وهو يرد فى أعقاب حديث عائشة عن عروة بخصوص نزول الوحى على النبى أول مرة بآية: "اقرأ"، ويأتى فيه: "قال الزهرى فأخبرنى عروة عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: ..وفتر الوحى فترة حتى حزن النبى صلى الله عليه وسلم فى ما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى منه نفسه تبدى له جبريل فقال يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشة، وتقر نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك".

 

والتقط أهل الحديث لفظة "فى ما بلغنا" فقالوا إنها تثبت أن ما يأتى بعدها من كلام "الزهرى" -وهو من التابعين- وليس من كلام عروة عن عائشة، فقال ابن حجر: "ثم إن القائل (فى ما بَلَغَنا) هو الزهرى، ومعنى الكلام: أن فى جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله فى هذه القصة. وهو من بلاغات الزهرى وليس موصولًا، وقال الكرمانى: هذا هو الظاهر". ومع ما فى كلام ابن حجر والكرمانى وغيرهما من الأوائل قدر كبير من التخمين والظن فى تغليبهم عزو الحديث أو بقيته للزهرى وليس لعائشة، تشدد المتأخرون فى الجزم بنفى الحديث ليس عن عائشة وحدها ولكن عن "صحيح البخارى" كله رغم وروده فيه! فقال الألبانى: "هذا العزو للبخارى خطأ فاحش ذلك لأنه يوهم أن قصة التردى هذه صحيحة على شرط البخارى وليس كذلك وبيانه أن البخارى أخرجها فى آخر حديث عائشة فى بدء الوحى"! مما يقطع بدافع قوى ملحّ باتجاه نفى الإقدام على الانتحار لصالح مفهوم العصمة.

 

على نفس النحو يتتبع أهل الحديث سائر الروايات الأخرى للحديث بالتجريح والتضعيف ومن بينها رواية ابن سعد فى "الطبقات الكبرى" التى يأتى فيها: "عن ابن عباس أن رسول الله لما نزل عليه الوحى بحراء مكث أيامًا لا يرى جبريل فحزن حزنا شديدا حتى كان يغدو إلى (ثبير) مرة وإلى "حراء" مرة يريد أن يلقى نفسه منه فبينا رسول الله كذلك عامدا لبعض تلك الجبال إلى أن سمع صوتا من السماء فوقف رسول الله صعقا للصوت ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسى بين السماء والأرض متربعا عليه يقول: "يا محمد أنت رسول الله حقّا وأنا جبريل" قال: فانصرف رسول الله وقد أقر الله عينه وربط جأشه ثم تتابع الوحى بعد وحمى".

 

وفى رواية الطبرى صار استنكار أهل الحديث مزدوجًا، حيث أضافوا إلى استنكارهم إقدام النبى على الانتحار استنكار القول بلقاء جبريل له فى المنام، وهى رواية يأتى فيها عن النبى متحدثًا عن جبريل: "فجاءنى وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ فقلت ماذا أقرأ فغتنى حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلنى فقال اقرأ فقلت ماذا أقرأ وما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود إلى بمثل ما صنع بى، قال: "اقرأ باسم ربك الذى خلق" إلى قوله: "علَّم الإنسان ما لم يعلم" قال: فقرأته، قال: ثم انتهى ثم انصرف عنى وهببت من نومى وكأنما كتب فى قلبى كتابا، قال: ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إلى من شاعر أو مجنون كنت لا أطيق أن أنظر إليهما، قال: قلت: إن الأبعد -يعنى نفسه- لَشاعر أو مجنون لا تحدث بها عنى قريش أبدا لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسى منه فلأقتلنها فلأستريحن، قال: فخرجت أريد ذلك حتى إذا كنت فى وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل، قال: فرفعت رأسى إلى السماء فإذا جبرئيل فى صورة رجل صاف قدميه فى أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبرئيل".

 

والظاهر من هذا الطواف أن واقعية التصوير وبشرية المشاعر التى تبدت جهيرة فى سائر النصوص التى تناولت موضوع إقدام النبى على الانتحار كانت دافعا أصليا لاستنكار أهل الحديث لمتن هذه النصوص ثم لتشددهم فى فحص وتجريح رواتها وإسنادها. غير أن كاتبا هنديا هو "ديباك شوبرا" توفر على كتابة سيرة روائية للنبى محمد بعنوان "قصة النبى الأخير"، أتى بزاوية نظر جديدة وملمح غاية فى الدقة بخصوص علاقة واقعة الإقدام على الانتحار بمفهوم عصمة الأنبياء، إذ يقول مصورًا المحاولة: "من جديد نظر إلى الأسفل، إلى الصخور تحت، ثم سرت فى جسمه رعشة، ففى لحظة دماره تلك، عثر محمد على الدعاء الذى قد ينقذه: يا إلهى العزيز، برحمتك التى لا حدود لها، أعدنى كما كنت من قبل، اجعلنى إنسانا عاديا من جديد". والمعنى الدقيق الذى يمكن اشتقاقه من عبارات "شوبرا" أن الإقدام على الانتحار كان تجربة نفسية عميقة فصلت فصلا لا رجعة فيه بين مرحلتين: إحداهما مرحلة ما قبل الرسالة وكان النبى فيها بشرا عاديا، والثانية: مرحلة عصمة النبوة التى اكتسبها بنزول الوحى، ويضيف: "إنه الدعاء الوحيد الذى لم يستجب له الإله، ففى تلك اللحظة كان كيانه كإنسان عادى قد تحطم..إذ ما كان ليعود إنسانا عاديا مرة ثانية".

 

وبغض النظر عن صدق المأثور الذى يدور حول إقدام النبى على الانتحار، إذ إن كل المأثور ظنى مهما كانت صحته من جهة الإسناد، لابد أن يدهش المرء مما أمكن لحساسية وعى فتى عايش خبرة عميقة أن يستنبط من توفيق للتضارب بين بشرية الإنسان وعصمة النبى، وهو توفيق لا يقل عمقا ودقة عما توصل إليه اجتهاد الإمام محمد عبده.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات