.

كان كعب الأحبار يكذب وأبو هريرة وابن عباس ينقلان عنه

Foto

هل رفْض بعض أحاديث البخارى وغيره يقدح فى الدين ويهدمه؟ لماذا تباينت صحة الأحاديث التى اعتمدها كل من السُّنة والشيعة والخوارج؟ كيف كان أبو هريرة وابن عباس ينقلان عن كعب الأحبار؟


لا أجد حرجًا، لا فى دينى ولا فى عقلى ولا فى ضميرى ولا فى علمى، إنْ أنا رفضتُ جملة كبيرة وطائفة عظيمة من الأحاديث التى زخرت بها كتب المتون، وعلى رأسها صحيحا البخارى ومسلم، ذلك أنى لن أخسر شيئًا من أصول دينى أو فروعه، على الرغم من أن جمهرة كبيرة من أشياخ التقليد والنقل سينتصبون لهذا الكلام بالتجريح والقدح والتلفيق، ولعلّهم سيرمون صاحبه بالكفر والفسوق والعصيان؛ لأنهم إنما آمنوا بالبخارى أكثر من إيمانهم بالقرآن، وقدّسوا رواياته وأحاديثه كما لم يقدّسوا شيئًا آخر، وظنّوا أن محاولات نقد البخارى وغيره من المحدثين الأوائل تهدم الإسلام، وتنقض عُراه، اعتقادًا منهم أن السُّنة حاكمة على القرآن، ناسخة له، مهيمنة عليه، حفيظة متونها على الإسلام، وما هى بذلك أبدًا لو كانوا يعقلون أو يتفكّرون، أو يعلمون!

 

يقينًا، لن أخسر من دينى شيئًا إنْ أنا رفضت أحاديث كثيرة تعامَى الأسلافُ السابقون، ومَن تبعهم من الخلف المقلّدين، عن متونها ومُجافاة كلماتها للعقل والعلم والسُّنن الكوْنية والذوق والضمير والأخلاق، بلَه القرآن الكريم، واحتفلوا بسَندها ورُواتها، فأكبروهم وعدّلوهم وَفق وضع سوسيو-سياسى ارتبط بطبيعة التيارات السياسية والاجتماعية -آنذاك- والتى بسببها تباينت صحة الأحاديث التى اعتمدها كل فريق من سُنة وشيعة وخوارج ومعتزلة، وغيرهم من الفرَق التى اعتمدت على الروايات الحديثية لتأصيل قواعدها وتنظيراتها الفقهية والعقَدية والسياسية.

 

إن القرآن وسُنن الرسول المتواترة، وهى السُّنن العملية؛ كالصلاة ومناسك الحج، وطائفة من الأحاديث القوْلية المتّسقة مع القرآن والأخلاق والذوق، كل أولئك هو العمدة فى الإسلام، أما ما عدا ذلك من تزيّدات الرواة والمفسرين والمحدّثين، فهو آحاد غير قطعية الدلالة والرواية، وتظلّ محلّ اجتهاد ومراجعة، وإن صحّحوها وزيّنوا بها كُتُبهم وشروحهم وتكلّفوا فى تأويلها، ولا أدرى كيف يتعامى ويتغافل أشياخ التقليد وعُبّاد الأسانيد والمرويات عن أن كثيرًا من الأئمة المجتهدين السالفين قد تركوا الأخذ بكثير من الأحاديث التى رواها الشيخان ولم يخرج عليهم متنطّع أو جهول ليرميهم بالكفر، وينعتهم بأحطّ النعوت التى ينعتوننا بها الآن.

 

ومما يعجب منه أنَّ جمهور رجال الجرح والتعديل قد عدّوا كعب الأحبار من الثقاة، وما ذلك إلا لأنهم آمنوا بالأسانيد وسلاسلها، ولم يلتفتوا إلى متون الروايات بالتمحيص والتحليل، ولعل عدم معرفتهم واطّلاعهم على كتب اليهود وصحائفهم هو السبب فى إحسانهم الظن بكعب الأحبار، فسلّموا بما يرويه اعتقادًا منهم أنه مرفوع إلى النبى، خصوصًا أن الصحابى أبا هريرة قد أكثر من الرواية عن كعب هذا، فنرى فى كثير من أحاديثه عنعنة لم يصرّح هو بسماعها من النبى، ولا أكاد أصدّق ما يؤمن به كثير من المقلدين ويعتقدونه من أن أبا هريرة قد روى أحاديث ثرّة كثيرة عن النبى الكريم، على الرغم من تأخر إسلامه، وقصر مدة ملازمته النبى، وهى المدة التى يختلف فى تقديرها العلماء إلى الآن، كما يختلفون فى تحديد اسمه الأصلى قبل أن يكنّيه النبى بأبى هريرة، فقطعًا لم يسمع أبو هريرة الكثير من أحاديث الرسول الكريم، وكذا ابن عباس الذى كان طفلا لم يتجاوز الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من سِنيه عند وفاة النبى، فكان كلاهما ينقل عن كعب الأحبار ويسمع منه، حتى وصلت إلينا أحاديث بروايتهما مشحونة بالخرافات الإسرائيلية المُتهافتة تقدح فى الدين، وتتزيّد على القرآن، ويتخذها الطاعنون سبيلا إلى الطعن فى الإسلام ورسوله.

 

ودعْك، عزيزى القارئ، من ترهات أشياخ التقليد الذين درجوا على النقل الآلى والحفظ والاحتفال بالأسانيد مهما كان المتن واهيًا، فجاء كلفهم بالسند صارفًا لهم عن إعمال عقولهم فى مرويات دُوّنت بعد الرسول بنحو قرنين من الزمان، ولا يخدعنَّك ما يدّعونه من أن أقوال النبى الكريم قد دُوّنت قبل ذلك، واستندوا إلى أسماء بضع صحائف كانت لدى بعض الصحابة؛ كعلى بن أبى طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيرهما، وهى لم تكن سوى صحائف -لو ثبت اقتناؤهم إياها فعلا- تحوى وتضم طائفة يسيرة من أقواله -صلى الله عليه وسلم- وسُننه العملية، ولم تكن على تلك الدرجة من الضخامة التى عهدناها فى كتب المتون التى ظهرت بعد ذلك. كما لم يأمر الرسول الكريم بكتابة الأحاديث، ولعلّ هذا الأمر يفسّر سبب اختلاف الصحابة فى كتابة أحاديث النبى، فكره كتابتها وتدوينها عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود، وغيرهم، ولو أنك تتبّعت هذه الأسماء لوجدتها أقل الأسماء رواية لأحاديث النبى، وأما ما جاء فى الصحيحَين من حديث: «اكتبوا لأبى شاه»، والذى استند إليه القائلون إن النبى الكريم قد أمر بكتابة أحاديثه فهو يتعلّق بوثيقة أمر النبى الكريم بكتابتها حتى يعرف أهل اليمن ما يتعلّق بمكة من حيث تحريمها وتحريم صيدها وشجرها ولقطتها، كما هو واضح من متن حديث البخارى رقم «2434، 3/125» والذى فى نهايته قُلْتُ -أى الوليد بن مسلم- لِلْأَوْزَاعِى: مَا قَوْلُهُ اكْتُبُوا لِى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هَذِهِ الخُطْبَة الَّتِى سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.  

 

نخرج من ذلك بنتيجة مؤداها أن الحديث النبوى ليس وحيًا كما القرآن، كما أن الصحابة المكثرين من الرواية عن النبى لم يتورّعوا عن الأخذ والنقل عن كعب الأحبار الذى عدّله السابقون، غير مكترثين بكذبه ورواياته الخرافية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات