.

الخوض فى الحجاب

Foto

لماذا لم تأتِ آيات فرض الحجاب واضحة وقاطعة؟ لماذا يُصر رجل الدين على أن يكون للمرأة زى بعينه لا تخالفه؟ لماذا يستخدم رجال الدين الغيرة الذكورية فى فرض الحجاب؟


قبل الخوض فى إشكالية الحجاب علينا أن نجدد المصطلحات وقواعد القياس قبل أى حوار، حتى لا يصبح حوارنا حوار طرشان، أولى تلك القواعد: اعتماد القاعدة الفقهية «أن المختلف فيه لا إنكار فيه»، وثانيتها: «فهم مدلول الكلمات القرآنية يعود إلى مفهوم الكلمات زمن نزول الآيات، ولا عبرة لمفهوم كلمات اللغة العربية التى نستخدمها الآن»، ثالثتها: «القصص التاريخى لا يستدل به فى تفهم الأحكام ولكن يستأنس به»، رابعتها: «أن يكون لدينا الاستعداد التام للسير تبع المنهج العملى خطوة بخطوة وأن نقبل بالنتائج مهما كانت صادمة»، خامستها: «أى موقف مسبق مع أو ضد يعيق الوصول إلى الحقيقة».. إذا تفقنا على هذه القواعد يمكننا أن نستكمل معًا الحوار، وإذا كانت تلك الشروط غير محققة، فالتوقف عن الحوار أجدى وأوفر صحة نفسية.

 

بسم الله نبدأ: الحجاب لغة هو منع رؤية الشىء، هو الستر، وحجب الشىء ويحجبه حجبًا وحجابًا، وحجبه أى ستره، وقد احتجب وتحجَّب إذا اكتنّ من وراء حجاب، وامرأةٌ محجوبةٌ: أى قد سُترت بستر، وحجاب الجوف: هو ما يحجب بين الفؤاد وسائره، إذن الحجاب هو تلك الوسيلة التى تمنع رؤية الآخر، قد تكون ستارة أو بابًا أو قطعة جلدية كما فى الحجاب الحاجز فى جوف الإنسان.. إلخ.


ننتقل إلى نقطة أخرى وهى تعريف الزى أو الرداء، هو اللباس، أى ما يرتديه المرء، سواء كان أنثى أم رجلًا. لو متفق معى صديقى القارئ أكمل قراءة المقال، لو اختلفنا أرجوك توقف وانتقل إلى مقال آخر.
هنا تكمن المشكلة! فالبعض أطلق على رداء المرأة أو لباسها اسم الحجاب، وسحب خصائص الحجاب وجعلها شروطًا للزى الذى يجب أن ترتديه المرأة المسلمة، وهذا الخلط هو أصل الداء، لماذا؟ لأن الآيات التى يستدل بها مَن جعلوا زى المرأة حجابًا لم تصرح لا بفرضه ولا بتلك الخصائص، فهم يستدلون بالآية الكريمة: «وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ» «سورة النور: 31»، على أنها فرضت الحجاب والاحتجاب على المرأة، فى حين أن الآية لو طبقنا القاعدة الثانية التى اتفقنا عليها فى أول المقال سنكتشف أن مراد الله هو أن تضع المرأة خمارًا على جيوبها. طيب، ما الخمار وما الجيوب؟ الخمار هو الغطاء، وخمر الشىء أى جعل عليه غطاءً، ولهذا يُقال على الشراب المسكر خمرًا لأنه يغطى العقل، طيب والجيوب هى بالتأكيد ليست الجيوب التى نضع فيها النقود الآن، فالجيب المقصود فى القرآن الكريم هو فتحة الصدر. إذن يكون معنى الآية أن تضع المؤمنات غطاءً على الصدر والعنق.

 

نلاحظ أن الآية حددت الصدر بالتغطية ولم تحدد الرأس، فلو أن مراد الله أن تغطى المرأة رأسها لقال وليضربن بخمرهن على رؤوسهن، أو على سائر جسدهن، لكنه خصص جزءًا من جسد المرأة فيه إغراء أو تشبه بنساء غير عفيفات فى زمن النبوة، لاحظ أيضًا أن الآية لم تحدد شكل الزى الذى يجب أن ترتديه المرأة على الإطلاق، كما لم تحدد الزينة فى قوله «ولا يبدين زينتهن»، وليس من الطبيعى أن يعتبر الرجل أن جسد المرأة كله زينة! كما لم تحدد الآية بشكل دقيق المقصود بعبارة «ما ظهر منها» وترك الله تعالى لنا المعنى مفتوحًا حتى يفسرها كل حسب ثقافته، لكن هناك آيات أخرى يتشبث بها أصحابنا، وهى قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ» «سورة الأحزاب: 59»، وقبل النظر فى مدلول كلمات الآية تعالَ نستأنس بقصة نزول هذه الآية حسب القاعدة الثالثة التى اتفقنا عليها، تقول كتب التفسير إن سبب نزول تلك الآية أن العرب كانت تأنف أن يكون البيت مكانًا للتغوط والتبول، ولم يستخدم العرب دورات المياه فى المنازل إلا بعد الاختلاط بالفرس والروم والمصريين، لهذا كانوا يذهبون (سواء كانوا رجالًا أم نساءً، عبيدًا أم أحرارًا) إلى منطقة بعيدة عن الأعين فى الصحراء الممتدة والواسعة، ليقوموا بعملية الإخراج وغسل الأعضاء ويعودون، والمجتمع العربى كسائر المجتمعات به مراهقون وفُسَّاق، فقد كان بعض الفجار يتعرضون (يتحرشون جنسيًّا) بالجوارى العبيد، فحدث أن تعرضوا أيضًا للمؤمنات على مظنة منهم أنهن من الجوارى أو من غير العفيفات. وقد شكون ذلك إلى النبى، ومن ثَمَّ نزلت الآية لتضع فارقًا وتمييزًا بين الحرائر من المؤمنات والجوارى وغير العفيفات، وهو إدناء المؤمنات لجلابيبهن، حتى يُعرفن فلا يُؤذين. والجلباب هو ما ترتديه المرأة، والآية لم تحدد له شروطًا ولا ملامح إلا ملمح تغطية الصدر والعنق، ولكن الله أمرهن أن يدنين والدنو هو الاقتراب، قال الله تعالى «ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ» «سورة النجم: 8»، ودنا أى اقترب، والمقصود أن يقربن ملابسهن كى يعرفن.
 

انتبه صديقى القارئ، كى يعرفن، يعنى تقريب الملابس إشارة إلى أى فاسق أن هذه ليست جارية ولا متاحة لأى أحد، وتوضح هذا الآية بكل سطوع، فلا يؤذين.
 

خلاصة ما فهمته من الآيات ومن التجارب الإنسانية التى مرَّت بى، أن ثياب المرأة التى ترتديها يجب أن لا تخالف العُرف العام ولا تصدمه. ثانيًا، قصة الحجاب ووضع الشروط له هى قصة خلافية بالدرجة الأولى بين العلماء، والأحاديث التى تشترط شكلًا بعينه لثياب المرأة هى أحاديث ضعيفة جدًّا، ولهذا أرجو منك صديقى القارئ أن تذهب إلى أول المقال وتلتزم بالشرط الأول، وهو أن المختلف فيه لا إنكار فيه، وللعلم معركة ثوب المرأة معركة مجتمعية وليست دينية، فلا يوجد أمر واضح صريح قاطع من الله تبارك وتعالى يلزم المرأة بزى معين! فكل الآيات التى يستشهد بها أصحاب قضية فرض لباس بعينه باسم الحجاب ليس فيها أمر مثل فُرض عليكم أو كُتب عليكم أو فرضنا، وهى قضية شرقية فى المقام الأول، فالمجتمعات الشرقية تجعل من المرأة عورة وهى التى تعتبر جسدها ملكًا لصاحبها لا ينظر إليه ولا يلمسه أحد، لكنهم فقط احتاجوا إلى غطاء دينى لتسلطهم على المرأة. إن الاستهجان الذى يصاحب كل مَن يزعم أن القرآن لم يحدد شكل ثوب المرأة منبعه العقل الجمعى الشرقى وليس العقل الدينى، ولعل رفض الصحابة خروج النساء لصلاة الفجر يؤكد هذا، والأكثر غرابةً أن رجال الدين أو المتشددين عندما تعجزهم الحجة يستخدمون مبدأ الغيرة عند الرجل الشرقى، فيقولون له: كيف تسمح أن تخرج امرأتك عارية ينظر الرجال إلى لحمها وتثير فيهم شهواتهم الجنسية ويتمنى الرجال أن يجامعوها ولو فى خيالهم؟! أليس فيك نخوة ورجولة؟! فيتدخل الرجل بدافع الغيرة الذكورية الشرقية لفرض الحجاب على زوجته وابنته أو أخواته، الدافع هنا ليس دينيًّا، فلو قيل له إن أختك لا تصلى ولا تقرأ القرآن إلا قليلًا لن ينتفض تلك الانتفاضة. أدرك هذا السلفيون ووعاظ الأزهر، فأصبح هو المحرك الأساسى لقضية الحجاب.. والله أعلى وأعلم.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات