.

القتل باسم «المقدس»

Foto

لماذا جاءت تأويلات شُراح الأحاديث التى تناولت اقتتال المسلمين والصحابة فى ما بينهم باردة متكلفة؟كيف كان اقتتال الصحابة بداية لتأسيس العنف المقدّس فى تاريخ الإسلام؟ كيف يمكن تقليص وكبح جماح العنف والقتل باسم المقدَّس؟


لعل ما يحدث الآن من بعض المنتسبين إلى الإسلام من جرائم قتل وذبح واغتصاب باسم المقدّس، من أبشع ما يُواجهه الدين الإسلامى منذ قرون، على الرغم من أن تاريخ المنتسبين إلى الإسلام، قديمًا، لم يخلُ قطّ من ارتكاب جرائم ومجازر باسم المقدّس، وهى الجرائم والمجازر التى لم يسْلم الصحابة أنفسُهم منها، فعلى الرغم من أنهم أولُو التبليغ عن النبى، صلى الله عليه وسلم، بعد موته، وعلى الرغم من أن النبى، صلى الله عليه وسلم، أسند إليهم فعل التبليغ مجازًا فى قطعةٍ من حديث له بقوله: «إنما بُعثتم ميسّرين ولم تُبعَثوا معسّرين»، إلا أنهم قاتلوا بعضهم بعضًا، وسفكوا دماء بعضهم بعضًا، ولم يعدِم الفقهاءُ وشُرّاحُ الأحاديث التأويلات الباردة المتكلّفة والمتعسّفة، لطائفة من النصوص التى حرّمت سفك دماء المسلمين فى ما بينهم، ولا سيما الحديث المشهور الذى أخرجه البخارى ومسلم فى صحيحيهما، وكذا أخرجه غيرهما كالإمام أحمد والنَّسَائى وأبى داود وغيرهم، عن أبى بكرة، أنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله، صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِى النَّارِ»، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»، فقد تمحّل شُرّاح الأحاديث فى ردّهم على مَن أنكر على الصحابة أن يقتتلوا فى ما بينهم، فها هو ذا ابن حجر فى شرحه على «صحيح البخارى» ينقل أن أهل السنة اتفقوا على «وُجُوبِ مَنْعِ الطَّعْنِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ عَرَفَ الْمُحِقَّ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا فِى تِلْكَ الْحُرُوبِ إِلَّا عَنِ اجْتِهَادٍ، وَقَدْ عَفَا الله تَعَالَى عَنِ الْمُخْطِئِ فِى الِاجْتِهَادِ، بَلْ ثَبَتَ أَنَّهُ يُؤْجَرُ أَجْرًا وَاحِدًا وَأَنَّ الْمُصِيبَ يُؤْجَرُ أَجْرَيْنِ»، أى أن الاقتتال بينهم لم يكن سوى بحث عن الحقيقة، وبالتالى فهم ليسوا مسؤولين عمّا حدث، مما كرّس، عبر قرون، امتناع وتحريم نقدهم كأنهم سُلطة مثالية تعلو على كل تاريخية!

 

القتل باسم المقدّس بدأ باقتتال الصحابة حول السُّلطة
ولم يكن عجيبًا بطبيعة الحال أن تكون شروح ذلك الحديث كلها على نسَق الشرح والتأويل السابقَين، دون أن يُدرِكَ المؤوّلون أنهم يتحدّثون عن إزهاق نفس حرّم الله قتلها، فهل فى قتل النفس اجتهاد حتى يدّعوا ما ادّعوه؟! إنه لأمر عجيب، لكن الأعجب منه أن يدّعوا أن اقتتال الصحابة فى ما بينهم، إنما لم يكن بسبب عرَض الحياة الدنيا، على الرغم من أن المقتتلين كلَّهم لم يخفوا نيتهم فى السعى إلى المُلك والخلافة، وما المُلك والخلافة إلا من متاع الحياة الدنيا وزخرفها، وهو ما يتنافى تمامًا مع أحاديث أخرى عن النبى الكريم تدعو إلى عدم السعى إلى الإمارة والحُكم، كما هو ثابت فى الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال لى رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «يا عبدَ الرحمن بنَ سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنكَ إنْ أُوتِيتَهَا عن مسألة وُكِلْتَ إليها، وإنْ أوتيتَها من غير مسألة أُعِنْتَ عليها»، فضلًا عن أن العصبية الجاهلية كانت هى الحاكمة، خصوصًا بعد اغتيال الخليفة الثالث عثمان بن عفان، واحتجاج معاوية بن أبى سفيان على الإمام علِى بن أبى طالب، متذرّعًا بأنه لم يثأر من قاتليه، ولم يكن انتفاض معاوية حينذاك إلا بسبب العصبية لبنى أمية بن عبد شمس، ما يعنى أن العصبية وطلب الدنيا قد حكما الموقف، لا سيما فى اتجاه معاوية بن أبى سفيان وبنى أمية!

 

ارتبط المقدس -إذن- بالسياسة منذ اللحظة الأولى التى اشتعل فيها الصراع على الحكم بين الصحابة، وتمحور الخلاف كله حول السلطة، واتّخذ شكلًا حربيًّا إسلاميًّا/ إسلاميًّا، وقد ظهر ذلك كله فى معارك: الجمَل، وصِفّين، والنهروان، فجاء العنف بديلًا للمقدس، وقد أشار المفكر والأنثروبولوجى الفرنسى رينيه جيرار «1923- 2015» فى كتابه «العنف والمقدس» إلى أنه «متى استيقظت الرغبة فى العنف والقتل أحدثت فى صاحبها تغييرات جسدية تعدّه للقتال، ومع أن هذا الاستعداد العنفى محدود الأجل، فإنه لا يصح أن نعدَّه مجرد ارتكاس تتوقف أفعاله بتوقف عمل المحفز، لأن تهدئة رغبة العنف هى أشد صعوبة من إثارتها بمراحل، خصوصًا فى ظروف العيش العادية داخل المجتمع»، فالرغبة فى العنف أفرزت مراحلَ لا تنتهى من الاقتتال باسم المقدس، وطفق كل فريق يتذرّع بالدين فى سبيل تبرير موقفه، وصبغها صبغة إيمانية، تضمن له مزيدًا من التفوق المعنوى أمام خصمه!

 

النبى محمد فى القرآن غير النبى محمد فى الحديث والتاريخ
وفى خضمّ استشراء العنف والاقتتال بين المقدّس، بفعل الأهواء، ودوغمائية تأويل بعض الأحاديث، لا يستشعر كثيرون أن النبى محمدًا، صلى الله عليه وسلم، الذى فى القرآن غير محمد الذى فى التاريخ والتراث، إذ كُتبَ التراثُ ودُوّن التاريخُ مُتزيّدًا مُجافيًا لحقائق القرآن وسُنن العمران والحضارات والذوق والعِلم، واختلط الأمر على الناس بعد ذلك، فجاءت رواياتٌ كثيرة منحولةٌ على النبى الخاتم، واقتطع الرواة كلمات النبى من سياقها «الزمكانى» والسوسيولوجى الذى قيلت فيه، فعمّموها بعد ذلك، وغدَت سُنّة وطريقة، ثم جاءت بعد ذلك طائفةٌ من أهل الفقه والحديث والتاريخ فمزجت آى القرآن بتلك الكلمات المنحولة والروايات الباطلة، ليتضخّم الدين، وتتشعّب الأحكام، وتشيع الاتهامات فتنال من نبىّ الإسلام، لذلك لم يكن غريبًا أن تكون نصوصُ كثير من تلك الأحاديث مبرّرًا للعنف والاقتتال، ومرجعية مقدَّسة له، فهى عُمدة المقتتلين فى حروبهم المقدّسة، سواء فى ما بينهم، كما هى الحال بين السنة والشيعة، أو فى ما بينهم وبين غيرهم من غير المسلمين، كأن التنوّع فى الهوية الدينية أمرٌ لا يرتضيه الله، على الرغم من أن القرآن كنص تأسيسى، يدعو إلى ذلك فى غير آية: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ»، «وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ»، «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ»، وغير ذلك من آيات فى هذا الشأن، صريحة وغير صريحة، ما يؤكد أن الابتعاد عن حقائق القرآن أحد أهم أسباب العنف أو القتل باسم المقدس، وهذا بالطبع لا يجعلنا نغض الطرف عن وجود طائفة من آى القرآن تدعو صراحة إلى قتل الكافرين والمشركين، لكنها فى النهاية تبقى آيات تنزّلت فى سياق سوسيو سياسى معيَّن لم يعُد له وجود الآن.

 

أنسَنة الدين، وفتح النص، وتخليصه من الدوغمائية، والتخلص من وهم امتلاك الحقيقة المطلَقة، وتحرير النص من السياسة، كل أولئك سبيل إلى تقليص وكبح جماح العنف والقتل باسم المقدَّس.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات