.

عار ألبير قصيرى وعزلته

Foto

تحكى الرواية عن الشاب أسامة، اليائس الذى اتجه للعمل بالسرقة، بمظهر أنيق، يصعب التعرُّف عليه من أبناء الطبقة العليا


على صفاف نهر السين وفى مقهى «دو فلور» كتب ألبير قصيرى عن قاع مدينة القاهرة، وسط المدينة، الأحياء الجديدة، السيدة زينب، المقابر، وبمزيج من السخرية والحنين الألم فى آخر رواياته «ألوان العار».

 

تحكى الرواية عن الشاب أسامة، اليائس الذى اتجه للعمل بالسرقة، بمظهر أنيق، يصعب التعرُّف عليه من أبناء الطبقة العليا، يحترف أسامة اللصوصية على يد معلمه «نمر» ذى المظهر المتدين، والذى لا يبارح السجن إلا لفترات قليلة ليعود له ثانية، ويفسّر نمر عدم تعذيبه فى السجن فى مقطع من أجمل مقاطع الرواية: أنا لص والأشخاص مصدر رزقك لا يعذّبون، راتب رجال البوليس يعتمد على مَن هم عينتى، أنا لم أعتزم يومًا إسقاط النظام الحالى، أنا سعيد بكل الحكومات!

 

يتعرَّف أسامة على «سفيرة» فتاة الليل التى تعمل بالدعارة لتعيل نفسها وأمها، يخبرها ساخرًا أنه لص، فتلمح له بمشاعرها نحوه، فكلاهما يحمل عاره الخاص، تخبره أن أمها تدعو له بالتوفيق فى عمله، وحين يسألها: هل تعرف أنه لص؟ تخبره بأنه لا يهم عمله، فالجميع يعمل، الأهم هو التوفيق، لقد شاخت أمها وتساوت بالنسبة إليها جميع المهن.

 

وذات سرقة يسطو أسامة على أحد الأثرياء الذى يجد محفظته منتفخة بالمال ويجد أيضًا فيها رسالة من شقيق أحد الوزراء إلى أحد المقاولين يتهدده ويتوعَّده، حيث هذا الشقيق هو وسيط صفقات فساد، ويسهل للمقاول الحصول على مناقصة بأفضل عرض لبناء عمارة فى مدينة نصر، لكن تسقط العمارة بعد ثلاثة أشهر، وتملأ الفضيحة الجرائد، ويرسل شقيق الوزير رسالة الوعيد للمقاول سليمان بأنه سوف ينتقم منه بسبب ما حدث، ويذهب أسامة إلى معلمه نمر، ليستشيره ماذا يفعل بهذه الرسالة الخطيرة!

 

فى المقابر يعيش أحد مثقفى القاهرة «كرم الله» المغضوب عليه من السلطة، فيعيش فى مقبرة والديه، تتردّد عليه فتاة «ناهد»، وهى قليلة الحظ من الجمال لتدوّن أفكاره وفلسفته، ويشعر تجاهها بعطف وشفقة، بينما تنظر إليه هى بإعجاب واحترام مبالغ فيه يدفعه للضجر منها، يقول كرم الله «الحقيقة معروفة لكل البشر، لكن أى حقيقة معروفة للكل تصبح غير ذات قيمة، هل تتصورين هؤلاء القذرين المتحكمين فى المعلومة يبيعون حقائق! فى أحسن الأحوال نسخر منهم بسبب بسيط هو أنه لا يوجد أى مستقبل للحقيقة على خلاف الكذب الذى يحمل فى طياته آمالاً عريضة».

 

يذهب نمر وأسامة إلى كرم الله لمساعدتهما، فيقرر أن يقابلا المقاول سليمان وجهًا لوجه، وتنتهى الروية بحديث ساخر يشرح فيه سليمان المقاول نظريته المعمارية عن تجديد المبانى، حيث يجب أن تكون أساسات العمائر مثل «بذر البطيخ» حتى يمكن تجديدها كل فترة -دون تقديم كيفية حماية قاطنيها من الفقراء- وإلا تحوَّلت مبانينا إلى مبانٍ أبدية كالأهرامات، ويفسّر سقوط عمارته بأن زلزالاً وهميًّا ضرب الحى وتكتمت أخباره الصحف بأوامر حكومية، ويذهل أسامة من صفاقة كذب وتبرير المقاول سليمان، فيرفض إعادة الرسالة إليه حتى بمقابل مالى يعرضه عليه الأخير، وفى مشهد ساخر يضع الرسالة فى حجاب يعلقه على صدره، قائلاً حين سأله سليمان: هل أنت لص؟ فينفجر ضاحكًا «لص صغير للغاية مقارنة بمعاليك»!

 

يعتبر أسامة الرسالة «رقية» له تحميه فى صعوده سلم الفساد واللصوصية، ملتحفًا برجال السلطة وموظفى الحكومة، كتب ألبير قصيرى عن القاهرة فى باريس التى لم يطلب جنسيتها وآثر التفرغ لعزلته وكتابته عنها، قائلاً: لا حاجة لى بالعيش فى القاهرة، فهى فى دمى لم تبارح ذاكرتى! وصف أسلوب ألبير قصيرى بالمحفوظى، أو بمحفوظ، لكن بالفرنسية، واستطاع ببراعة مزج المرارة بالسخرية، مستندًا إلى القاهرة كمكان ومنطلق للسرد، والرواية صادرة عن المركز القومى للترجمة بترجمة منار رشدى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات