.

نقطة بايدن حول أزمة الديمقراطية تنطبق على العالم

Foto

لقد حوَّل الرئيس الولايات المتحدة إلى أرض معركة فى حرب عالمية على الديمقراطية الدستورية الليبرالية، وهاجم الصحافة ودعا إلى سجن المنافسين السياسيين وتسييس ما يفترض أنه قضاء مستقل...


 

ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

 

أطلق نائب الرئيس السابق جو بايدن، حملته الرئاسية برسالة مفعمة بالمثالية، استهدف فيها الناخبين الأمريكيين بالطبع، إلا أن كلماته كان لها أصداء حول العالم فى وقت تتعرض فيه الديمقراطية ومُثلها لاعتداء، تخسر على خلفيته الأرض فى كل قارة لصالح القومية المستبدة.

 

وتستحق حجة بايدن الثاقبة العاجلة -بما أننا أمام معركة فائقة الأهمية من أجل روح هذا الوطن- أن نستمع إليها من منطلق أوسع، فالانتخابات الأمريكية هى المنافسة الأساسية فى حملة تعيد العالم إلى مسار ديمقراطية.
 

ستتابع مئات الآلاف حول العالم الانتخابات الأمريكية، لأن الناخبين الأمريكيين ربما يحددون إلى أى مدى سيصل هذا التحدى إلى الديمقراطية.
 

فكرة أن «جميع الناس خلقوا سواسية.. ويتمتعون بحقوق لا يمكن المساس بها» كما أشار إليها بايدن، لا تنفرد بها أمريكا، ولكنها كانت الولايات المتحدة التى روجت لهذا المقترح ودافعت عنه بتصميم عظيم.

وعلى مدى السنين نظر أنصار المبادئ الديمقراطية إلى أمريكا من أجل الإلهام والدعم. وفى الوقت الذى لم ترتقِ فيه الولايات المتحدة إلى مُثلها، كما أشار بايدن عن حق، فقد أخرجها الرئيس ترامب من المعركة.
 

يستخدم فيديو حملة بايدن صورًا من حدث لا يزال يجعل كثيرًا منا يلتقط أنفاسه فى رعب وذهول. سار أمريكيون نازيون فى شارلوتسفيل منذ ما يقرب من عامين حاملين المشاعل وسط سماء مظلمة وهتفوا شعارًا يعد صدًى لأسلافهم السياسيين فى الثلاثينيات: «اليهود لن يستبدلونا!». ولكن الأكثر فظاعة من المسيرة نفسها كان تفوه ترامب بعبارة ستلقى بظلالها إلى الأبد على شخصيته؛ إذ قال إنه كان هناك «أناس خيّرون» على الجانبَين.
 

وكما أشار بايدن عن حق، فقد أتى تعليق ترامب بتغيُّر كبير، لقد حوَّل الرئيس الولايات المتحدة إلى أرض معركة فى حرب عالمية على الديمقراطية الدستورية الليبرالية، وهاجم الصحافة ودعا إلى سجن المنافسين السياسيين وتسييس ما يفترض أنه قضاء مستقل، رافضًا سلطة فرع آخر للحكومة يتمتع بالمساواة، حتى إنه تحدث فى ما يشبه الدعابة عن البقاء رئيسًا مدى الحياة.
 

فى العالم الأوسع، احتضن ترامب القادة الشعبويين الذين يقوضون الديمقراطية والحقوق باستمرار فى بلادهم وبين جيرانهم. وأوضحت وزارة خارجيته فى وقت مبكر أنها ستضع جهود الدفاع عن حقوق الإنسان جانبًا. ولم تعد واشنطن تتحدث من أجل قضية حرية الإنسان أو أولئك الذين يدافعون عنها.
 

ومما لا شك فيه أن الولايات المتحدة لم تكن متسقة على مر التاريخ فى شأن الترويج لحقوق الإنسان والديمقراطية، ففى بعض الأحيان تنازلت عن مبادئها من أجل مصالحها الأمنية، لكن أبدًا لم يكن الأمر هكذا.
 

لقد انتقد ترامب انتهاكات الحقوق فى فنزويلا وإيران، إلا أن هذا حساب جيوسياسى يمثل استثناءً، فقليلون يعتقدون أن الاهتمام قائم على قلق على الديمقراطية. لقد أدلى ترامب بتصريحات عديدة أظهرت أنه ينظر إلى الديمقراطية كمصدر إزعاج فى الداخل، وتكاد تكون محل اعتبار فى الخارج.
 

وَفقًا لمنظمة «فريدوم هاوس»، تتراجع الديمقراطية حول العالم منذ أكثر من ١٠ سنوات، فعام تلو الآخر تتهاوى المبادئ الديمقراطية فى هذا البلد أو ذلك. هذا ولم تتجاوز الخسائر بعد التقدم الكبير فى الحريات الذى جاء عقب الحرب الباردة إلا أن الاتجاه مزعج للغاية.
 

تفقد الحرية الأرض فى بلاد كانت متجذرة فيها وأخرى بدأت تترسخ فيها. وحتى فى الأماكن التى تفتقد المؤسسات الديمقراطية، مثل الصين، احتد القمع. وبالنسبة إلى ترامب، كل ما يتعلق الصين هو التجارة، وحقوق الإنسان ليست جزءًا من الحوار.
 

وفى غيرها، مثل الفلبين، أشاد ترامب بالرئيس رودريجو دوتيرتى وحربه على المخدرات التى أدت إلى اغتيال الآلاف دون أى محاكمة عادلة، حتى فى الوقت الذى يضطهد فيه بلا هوادة الصحفيين الذى يلقون بالضوء على الانتهاكات. ولقد وجد ترامب توأم روحه فى شخص رئيس الوزراء المجرى فيكتور أوربان، الذى يقوم بتفكيك المؤسسات الديمقراطية فى بلاده بشكل منظم بعد بناء دعَّم لسياساته الاستبدادية استنادًا إلى قوة الخطاب المعادى للهجرة.
 

لقد أعلن ترامب حماسه لزعيم كوريا الشمالية كيم جون أون، وهو واحد من أكثر الديكتاتوريين وحشيةً فى زمننا.
 

حتى إن الدبلوماسيين الأمريكيين وغيرهم من المسؤولين لا يزالون يتحدثون ضد القمع، لكن فى هدوء، وكأنهم يحاولون منع ترامب من معرفة ذلك.
 

بايدن محق فى إطلاقه للإنذار، وسواء كان الرجل الأفضل للمهمة فهو محق فى تحليله لما هو على المحك. قد تمثل الانتخابات الأمريكية القادمة نقطة ينعكس فيها الميل العالمى نحو الاستبداد. أو قد تسرع الانتخابات الأمريكية من خسارة الحريات الشخصية والسياسية حول العالم، الأمر الذى يجعل العالم أكثر أمانًا للقوميين حاملى المشاعل وأيديولوجياتهم.
 


 

فريدا غيتيس
منتجة ومراسلة سابقة فى قناة «سى إن إن»، كاتبة أعمدة فى الشؤون العالمية، كثيرًا ما تشارك بالآراء على موقع القناة وكذلك فى جريدة «واشنطن بوست»، كما تكتب عمودًا فى دورية «وورلد بوليتيكس ريفيو».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات