.

دعاوى الحسبة تُحاكم الأفكار وتُكفر العقل.. غيلان الدمشقى نموذجًا

Foto

لماذا تحولت الحسبة من مراقبة الأسواق وحماية المستهلك إلى تفتيش الضمائر؟ لماذا يحتاج المستبدون إلى فقهاء يشرعنون قمعهم؟ لماذا قتل هشام بن عبد الملك غيلان الدمشقى؟


يقصد بمصطلح «الحسبة» لغويًّا العدّ والحساب، وأول ما عرفه المسلمون فى صدر الإسلام، كان بقصد مراقبة الأسواق والطرق، كأشبه ما نسميه الآن «مفتشين التموين»، أو جهاز حماية المستهلك، فقد استعمل النبى سعيد بن العاص على سوق مكة بعد الفتح، واستعمل عمر بن الخطاب على سوق المدينة؛ وكذلك فعل ذلك خلفاؤه من بعده. وكانت الحسبة فى بداية تشريعها مقتصرة على إسداء النصح، ومنع الغش والفساد واحتكار القوت، والتلاعب بالأوزان والمكاييل، وتولى الخلفاء الراشدون هذا المنصب، ثم أحالوه على أعضاء متطوعين ممن رأوا فيه الاهتمام بأمور المسلمين والخوف من الله، والمعرفة بأحكام الشريعة، ليقوم بمراقبة الأوزان والمكاييل ووحدات القياس عامة، وأُطلق على رئيس هذه المنظمة الخيريـة اسم المحتسب.

 

وكان من الضرورى أن يكون المحتسب على درجة كافية من العمل والإدراك، لكى يستطيع أن يكشف أشكال الغش، ويناقش أرباب تلك المهن، لذلك قام الخليفــة المعتضد بتعيين أول محتسب، غلبت عليه صفة العلماء، وهو أحمد بن الطيب السرخسى، كان طبيب المعتضد ثم نديمه، وكان المعتضد يفضى إليه بأسراره ويستشيره فى أمور مملكته.

 

ثم تطورت أهداف الحسبة بدوافع اجتماعية وسياسية دينية، لتتحول إلى التفتيش فى ضمائر وعقائد المبدعين، وأفكارهم. وشهدت مصر قضايا الحسبة الدينية والعقائدية التى طاردت المفكرين والمبدعين، تحت شعار ازدراء الأديان تارة، وشعار حماية الأخلاق تارة أخرى، فمن أول الشيخ على عبد الرازق مرورًا بطه حسين ولويس عوض وليس انتهاءً بكرم صابر وإسلام البحيرى، شهد التاريخ العربى محاكم التفتيش الإسلامية على يد جماعات التكفير فى صورة هؤلاء الوعاظ الغلاظ أصحاب فتاوى التكفير والردة، ومن يحاول تقصى جذور هذه الوضعية يجد أنها جاءت نتيجة تراكم المشكلات والإخفاقات المتتالية على جميع الأصعدة، وعلى رأسها الإخفاقات الفكرية، خصوصًا فى الفكر السياسى، حيث لم تنتج المدارس الإسلامية باختلاف انتماءاتها، إلا الاستبداد السياسى، سواء تحت اسم صاحب الشوكة عند السنة، أو الإمام المعصوم عند الشيعة، أو الإرهاب السياسى عند الخوارج، لكن هذا لا يعنى أن الفكر السياسى عند المسلمين لم يستطع إنتاج بديل آخر غير الاستبداد أو الفوضى، ففى خضم الحرب الأهلية التى أعقبت الصراع الدموى على الخلافة وانقسام المسلمين إلى طوائف وأحزاب مختلفة، كل واحدة تدعى أحقيتها فى الوصول إلى السلطة، مستخدمة فى سبيل ذلك كل الوسائل الممكنة، فالأمويون روجوا لنظرية القضاء والقدر والإرادة الإلهية، فى حين تبنى الشيعة مفاهيم الوصية والعصمة، أما الخوارج فقد ظلوا أوفياء لمذهب التكفير والإرهاب السياسى، وفى ظل هذه الحالة الدموية المضطربة، ظهر تيار آخر مختلف تمامًا عن بقية الطوائف الأخرى، تيار حمل لواء العقل والحرية والعدالة، إنها حركة التنوير فى الفكر الإسلامى، والتى يسميها مؤرخو الفرق الأشاعرة، بالقدرية الأوائل والمرجئة والمعتزلة، و من أوائل هؤلاء وأبرزهم «غيلان الدمشقى»، الأب الحقيقى لحركة التنوير، وواحد من أهم منظرى الفكر السياسى فى التاريخ الإسلامى، إن لم نقل بأنه أهمهم جميعًا ما دام هو الذى أسس للفكر الديمقراطى ودافع عنه ودفع حياته ثمنًا لذلك.

 

أرسى الأمويون ملكهم العضوض بقوة السيف، وبعد مقتل الحسين وآله وانتهاك البيت الحرام وقتل أهل المدينة، لم تعد هناك حدود يقفون عندها فى سبيل احتفاظهم بالملك، ولكن احتاجوا فقط إلى تبرير أعمالهم ولجوئهم للسيف والعنف، وكانت فلسفة الجبرية هى التبرير المناسب، ولم تكن بالغريبة عليهم، إذ عرفوها من قبل، لذا قامت دعايتهم على أساس أن الله شاء أن يقتل الحسين وآله فى كربلاء، وأن مشيئة الله اقتضت أن تنتهك حرمة البيت الحرام والمدينة المنورة، وأن الاعتراض على ذلك اعتراض على مشيئة الرحمن وخروج على إرادته، وأنه لا شىء يخرج عن قدر الله ومشيئته، وأن من أنكر ذلك فقد خرج عن الإسلام واستحق القتل، وكان الأوزاعى عالم الشام هو أكبر بوق للدعاية الأموية فى هذا الشأن.

 

فى هذا المناخ الذى ارتفعت فيه راية الجبر، وبالتالى كان ينسب كل مظاهر الظلم والشر للإرادة الإلهية باعتبارها الإرادة النافذة، ظهرت المعتزلة وذهبت إلى القول بأن الإنسان مختار بشكلٍ مطلقٍ فى كلّ ما يفعل؛ فهو يخلق أفعاله بنفسه، ولذلك كان التكليف، ومن أبرز مَن قال ذلك «غيلان الدمشقى»، الذى أخذ يدعو إلى مقولته هذه فى عهد عمر بن عبد العزيز، حيث يذكر«ابن المرتضى» فى كتابه «المنية والأمل»: دعا عمرُ غيلانَ وقال: أعنّى على ما أنا فيه، فقال غيلان: ولـّنى بيع الخزائن ورد المظالم، فولاّه، فكان يبيعها وينادى عليها ويقول: تعالوا إلى متاع الخونة، تعالوا إلى متاع الظـَلـَمة، تعالوا إلى متاع من خـَلـَف الرسول فى أمته بغير سنته وسيرته. وكان فيما نادى عليه جوارب خـز، فبلغ ثمنها ثلاثين ألف درهم، وقد ائتكل بعضها، فقال غيلان: من يعذرنى ممن يزعم أن هؤلاء كانوا أئمة هدى، وهذا يأتكل والناس يموتون من الجوع؟ فمر به هشام بن عبد الملك، قال: أرى هذا يعيبنى ويعيب آبائى.

والله إن ظفرتُ به لأقطّعن يديه ورجليه. فلما ولى هشام خرج غيلان وصاحبه صالح إلى أرمينيا، فأرسل هشام فى طلبهما. فجىء بهما فحبسهما أيامًا، ثم أخرهما وقطع أيديهما وأرجلهما، وقال لغيلان: كيف ترى ما صنع بك ربُّك؟ فالتفت غيلان، فقال: لعن الله من فعل بى هذا.

واستسقى صاحبُه، فقال بعضُ من حضر: لا نسقيكم حتى تشربوا من الزقوم. فقال غيلان لصالح: يزعم هؤلاء أنهم لا يسقوننا حتى نشرب من الزقوم. ولعمرى لئن كانوا صدقوا فإن الذى نحن فيه يسيرُ فى جنب ما نصير إليه بعد ساعة من عذاب الله. ولئن كانوا كذبوا فإن الذى نحن فيه يسير فى جنب ما نصير إليه بعد ساعةٍ من رَوْح الله. فاصبر يا صالح. ثم مات صالح، وصلى عليه غيلان، ثم أقبل على الناس، وقال: قاتلهم الله، كم من حق أماتوه، وكم من باطل قد أحيوه، وكم من ذليل فى دين الله أعزّوه، وكم من عزيز فى دين الله أذلوه. فقيل لهشام: قطعتَ يدى غيلان ورجليه وأطلقت لسانه، إنه قد بكّى الناس، ونبههم على ما كانوا عنه غافلين. فأرسل إليه من قطع لسانه، فمات.

 

كان غيلان يقود المعارضة ضد الأمويين فى الشام، وكان ينتقد الدولة الأموية وسياساتها الاجتماعية والاقتصادية والمالية، فضلا عن عقيدتها الجبرية المعادية للحرية، والتى كانت تتأسس عليها شرعيتها.

لذلك كان غيلان من أشد المدافعين عن حرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله، وهو ما كان الأمويون ومعهم أصحاب الحديث يحاولون التهرب منه، فبدأت مرحلة التخوين والتشكيك فى دينه وأخلاقه، تارة بأنه قبطى وتارة أخرى أنه أخذ العلم من كذاب وتارة أنه رقاص، وذلك فى ما ذكره ابن عساكر فى «تاريخ دمشق»: «رُوى أن خالد بن اللجلاج يقول: ويلك يا غيلان ألم تكن زفانا، ويلك يا غيلان ألم تكن قبطيًّا وأسلمت، ويلك يا غيلان ألم أجدك فى شبيبتك وأنت ترامى النساء بالتفاح فى شهر رمضان، ثم صرت حارسًا تخدم امرأة حارث الكذاب، وتزعم أنها أم المؤمنين، ثم تحولت من ذلك فصرت قدريًّا زنديقًا».

 

احتاج هشام بن عبد الملك إلى فتوى شرعية لقتل غيلان، خصوصًا مع ما كان يعرف به غيلان من الصلاح بين الناس، ومن له غير الفقهاء المطوعين ودعاوى الحسبة القديمة الجديدة، ليمرر ويضفى الشرعية على القمع والاستبداد، وليحاكم غيلان ويكفره تمهيدًا لقتله، ولم يكن أنسب للمهمة من الإمام الأوزاعى أحد أقطاب مدرسة الحديث، المحدث، وصاحب المذهب الفقهى الشهير، ودعى غيلان إلى مناظرة الأوزاعى، قال الأوزاعى لغيلان: تسألنى أو أسألك؟ فقال له غيلان: سلنى ولا تكثره، فقال الأوزاعى: اختر إن شئت ثلاث كلمات، وإن شئت أربع كلمات، وإن شئت واحدة، فقال غيلان: بل ثلاث كلمات. 

 

فقال الأوزاعى: أخبرنى عن الله عزّ وجلّ، هل قضى على ما نهى؟ فقال غيلان: ليس عندى فى هذا شىء.

 

فقال الأوزاعى: يا أمير المؤمنين هذه واحدة، ثم قال: أخبرنى عن الله عزّ وجلّ أحال دون ما أمر؟ فقال غيلان: هذه أشدّ من الأولى، ما عندى فى هذا شىء، فقال الأوزاعى: هذه اثنتان يا أمير المؤمنين، ثمّ قال: أخبرنى عن الله عزّ وجلّ هل أعان على ما حرّم؟ فقال غيلان: هذه أشدّ من الأولى والثانية، ما عندى فى هذا شىء.

 

فقال الأوزاعى: هذه ثلاث كلمات.

قتل غيلان الدمشقى بعد التمثيل بجثته، غيلان الذى قال فيه المؤرخ البغدادى إن الحسن بن محمد بن الحنفية، كان يقول عن غيلان إنه: حجة الله على أهل الشام، ولكن الفتى مقتول.

 

وقال عنه المؤرخ الذهبى وهو أحد رموز المدرسة السلفية التقليدية: غيلان بن غيلان المقتول فى القدر، ضال مسكين.

قتل غيلان لأنه استطاع أن يستقطب أتباعًا كثيرين من مختلف الأوساط، بما فى ذلك حاشية الخليفة الأموى عبد الملك بن مروان، الذى كان قد اختاره مؤدبًا لولده سعيد، قتل غيلان لرفضه شرط الفقهاء «القرشية» للحكم، فهى عنده ليست شرطًا للإمامة، بل تصلح لغير قريش، وكل من كان قائمًا بكتاب الله والسنة كان مستحقًّا لها وهى لا تثبت إلا بإجماع الأمة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات