غاب القمر

عبد الرحيم كمال



غاب القمر



في مسلسل "لعبة العروش" الشهير بأجزائه المتعددة، ستجد استلهامًا دراميًّا للتراث الأدبي العالمي كله، ستجد مسرحيات شكسبير و"ألف ليلة وليلة"، وستجد عديدًا من القصص التي تم اقتباسها دون تردد أو أدنى إشارة.

 

نجح المسلسل تجاريًّا وستظل الأساطير والقصص المليئة بالخيال قادرةً على جذب الجمهور؛ لأنها تخاطب شيء قديم داخله، تخاطب مخاوفه وخياله، تخاطب الكهف المظلم الذي لم يغادره إلا من بضعة ألوف من السينين.

 

السينما والدراما تحكي الحكايات والأساطير التي غادرت مكانها وزمانها واستقرت في ذاكرتنا؛ السينما تُكَفِّر عن ذنوب المستعمرين أحيانًا.. تمحو أمريكا حضارة الهنود الحمر بأساطيرها وقصصها ورجالها ونسائها، ثم تعيد إنتاج قصصهم.

 

السينما وصناعها الهوليوديون يُكَفِّرون عن ذنوب بلادهم وربما يقومون بإعادة إنتاج قصص أولئك الذين حاولت الحضارة الجديدة محوهم ومحو تراثهم؛ فتحكي قصصًا عن التمييز العنصري وحروب الإبادة.. أمريكا تحتل العراق وتدخل بغداد بدباباتها وطياراتها ومارينزها، ثم تعود وتحكي عن بغداد وألف ليلة وليلة وعلاء الدين والسندباد.

 

ربما كانوا يستغلون تلك البلدان أكثر من مرة؛ بالاحتلال واستنزاف الموارد، وبسرد قصص وأساطير تلك البلاد مرة أخرى.

 

بينما المفارقة الكبرى أن السينما والدراما في بلادنا تحاول أن تقدم سينما تجارية مقتبسة من أفلامهم! وكأن التبعية تفرض حتى بعد سنوات الاستقلال والتحرر على صناع السينما والدراما أن يكونوا مقتبسين درجة عاشرة لأفلام أجنبية ممسوخة؛ فلا هي ترقى إلى المستوى العالمي ولا هي تملك مقومات السينما والدراما التجارية المعتادة.

 

العالم يعود في الدراما والسينما إلى إعادة إنتاج حكايات وقصص وأساطير الإنسانية بينما تتخلَّى أنت عن أسطورتك وتحاول أن تكون نسخة رديئة من قصة لا تنتمي إليها.. مطاردات عنيفة في شوارع القاهرة بينما الواقع يقول إن نزولك بالسيارة نهارًا من أكتوبر إلى وسط البلد يستغرق نصف اليوم؛ فأية مطاردة تلك وفي أي شوارع تقوم؟!

 

طلقات نارية ومسدسات وبنادق في مشاهد عجيبة بينما المواطن الحقيقي لا يستخدم الأسلحة النارية إلا في الأفراح في مناطق محددة!

 

سنة ٢٠٠٢ صُنع فيلم برازيلي يُسمى (مدينة الرب) عن ضاحية بعيدة عن العاصمة دي جانيرو، وكيف تحوَّلت إلى بؤرة إجرام وبلطجة ومعارك دامية تقصف أعمار الشباب قبل الأوان.. كان الفيلم يعبر عن واقع برازيلي أليم؛ لتجد بعد صدوره أنه الفيلم الملهم لعدة أفلام مصرية متتابعة، ويتحول إلى الموضة التي دفعت صناع سينما قاهريين إلى أن يصنعوا فيلمًا مصريًّا يتنفس الروح البرازيلية.

 

وأشاد النقاد بالفيلم وفتح شباك التذاكر، وفِي الحقيقة لم يكن فيلم واحد؛ بل عدة أفلام حاولت استنساخ أزمة ذلك الحي البرازيلي على شاشة السينما المصرية القاهرية.

غالب السينما المصرية وما يتجاوز أكثر من ٣٠ في المئة من أفلامنا هي أفلام مقتبسة؛ بعضها أعلن ذلك على تترات الشريط السينمائي، وكثير أنكره، وكثير من رواياتنا ومسرحياتنا وأعمالنا الدرامية تنتمي إلى أصول من عوالم أخرى.

ليس ذلك عيبًا في ذاته؛ لكن المعيب والغريب هو أن تشاهد عملًا دراميًّا يتم نقله بالكامل إلى الشاشات المصرية دون حتى بذل جهد في تغيير جمل الحوار أو شكل المشهد.. ورشة كتابة مكونة من عدة أشخاص تزدحم بأسمائهم شاشة التليفزيون؛ لا يتمهلون وربما أيضًا لا يمتلكون الوقت تبعًا لضغط وآليات السوق في تعديل جمل حوارية ومشاعر خاصة جدًّا بتلك الفتاة النرويجية أو ذلك الشاب الأسكتلندي أو تلك المرأة البولندية التي نقلوا عن نسختها عملهم الدرامي.

كان لبديع خيري مثلًا قدرة عجيبة على التمصير تجعل الطعم المصري يطغى على النكهة الفرنسية الأصيلة داخل النص، ومن مظاهر التعاسة الدرامية غياب المكان في العمل الدرامي؛ تشاهد فيلمًا طويلًا أو مسلسلًا على عدة حلقات دون أن تلحظ أين يعيش هؤلاء الشخصيات الذين نتابعهم على الشاشة.

 

انعدمت الخصوصية وغاب المكان؛ فكيف له أن يخلق مكانًا لشخصياته وقد استورد عدة أماكن يحكي فيها قصته ثم قام بحذف ألوان وأوصاف وتفاصيل هذا المكان المستورد فصارت القصة بشخصيات لها خصال عجيبة في مكان غير موجود أساسًا؟

 

غاب القمر وغابت معه حواديته، حواديت بطول النيل وبامتداد الصحاري، حواديت يمدها بحران من الشمال والشرق، حواديت بطول سلسلة الجبال وبغموض الجنوب وموسيقى البحر الإسكندراني وسمسية القنال، أساطير سبقت القصص المهجنة عما وراء الطبيعة بمئات السنين، وتاريخ ممتد متلون يغيب لحساب قصص مستوردة من إسبانيا والبرتغال وبلاد تركب الأفيال.

 

غاب القمر الذي كان يظهر علي استحياء وحل مكانه ضوء نيون شحيح لا يضيء شيئًا.

 

غاب القمر واستعارت دول أخرى قمرنا وأساطيرنا ودفعنا لها التذاكر والوعي والمشاهدة دون تردد؛ حتي صرنا نتطلع عبر أقمار صناعية على ذكريات ذلك القمر الذي غاب.



أقرأ أيضا