الذين منعوا الكلمة والسلام على الأرض والمسرة عن الناس

على أبو الخير



الذين منعوا الكلمة والسلام على الأرض والمسرة عن الناس



فى عيد ميلاد السيد المسيح 2020، نذكِّر أنفسنا والناس جميعًا، بالسلام والمحبة، والتى هى خلاصة دعوة المسيح عيسى، عليه السلام، وهى نفس دعوات كل الأنبياء.. وكل الأديان السماوية، اليهودية والمسيحية والإسلام، بل والأديان الأرضية؛ مثل البوذية والهندوسية وكل الدعوات الإصلاحية، تدعو إلى السلام، والسلام يكون على الأرض وليس فى السماء، وكان رد المسيح على سؤال "هل أنت ملك اليهود؟"، فقال "مملكتى ليست فى هذا العالم"؛ لأن يسوع أراد تأسيس ملكوت أرضى لا يحكمه بشخصه، ولكن تحكمه المبادئ السماوية، وينتشر فيه السلام، فلا نستغرب إذن أن تكون تحية اليهودية "شالوم عليخم"، وهى نفس تحية الإسلام "السلام عليكم"، وبينهما كرازة يسوع، كما فى إنجيل "لوقا": "المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة"، فعندما يمجّد الناس الله تعالى، وينشرون السلام على الأرض وليس فى السماء، تتحقق المسرة والسعادة بين الناس على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم، وتفقد الأديان وظيفتها إذا لم ينتشر السلام بين البشر، فى سفر أشعياء جاءت بشارة بالمسيح "روح السيد الرب علىَّ، لأن الرب مسحنى لأبشر المساكين، أرسلنى لأغصب منكسرى القلب، لأنادى للمسبيين بالعتق، وللمأسورين بالإطلاق، لأنادى بسنة مقبولة للرب وبيوم انتقام لإلهنا، لأعزى كل النائحين"، وهى دعوة حب عن إخلاص سماوى إلهى المصدر.

 

وفى ذكرى مولد المسيح نتذكره، عندما فاجأ حوارييه ليلة العشاء الأخير، فاجأهم إذ أراد أن يغسل أقدامهم، وغسلها رغم تمنعهم، وبعد أن غسل أقدامهم ونشّفها، جلس معهم، وقال لهم أترون ما فعلت لكم؟ حسنًا تقولون لى معلّمًا وربًّا وأنا كذلك، ولكن أريد منكم أن تفعلوا أنتم أيضًا ببعضكم البعض ما فعلت أنا بكم"، وهو بذلك كان الكلمة المتجسدة فى الفعل البشرى قبل اللاهوت الديني، والكلمة هى هو، وإنجيل يوحنا بدأ بعبارة "فى البدء كان الكلمة"، والقرآن الكريم صرّح كما جاء فى سورة النساء|171 "إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه"، فالكلمة هى الأصل، والسلام أهم فرع فى شجرة المحبة والكلمة المقدسة، قال الله فى سورة الحشر|23 "هُوَ اللهُ الَّذِى لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ"، وفى سورة النساء|94 ورد قوله تعالى "وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا"، وفى رسالة بولس "رَبُّ السَّلاَمِ نَفْسُهُ يُعْطِيكُمُ السَّلاَمَ دَائِماً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ الرَّبُّ مَعَ جَمِيعِكُمْ".

 

ولا غرابة فى الأمر، فالقرآن صرّح بأن القرآن فيه هدى ونور، والتوراة فيها هدى ونور والإنجيل فيه هدى ونور، وذلك الهدى والنور هو الذى يجب أن ينشر السلام بعد تمجيد الله وتوحيده، والسلام ضد آفة الكبر والتكبر، وإبليس أو الشيطان لم يكن كافرًا أو مشركًا، ولكنه كان متكبرًا متغطرسًا، فخرج موسوسًا للبشر فى خطيئة ممتدة عبر الزمن، تلاقت فيها أهواء البشرية، فصبغتها بالدماء، فابتعد الناس عن الدين، وشرح رجال الكهنوت للمؤمنين الطيبين، أن الأديان ترفض السلام والحوار بين البشر، حتى قال المؤرخ الأمريكى "إن العقائد الفاسدة هى التى يموت فى سبيلها البعض أشرف ميتة"، كتبها بعد أن رصد تاريخ الأديان والشعوب، وبعد أن اعتبر الحروب التى اشتعلت فى أركان الدنيا كان سببها فهم الدين، أو رؤية رجال الدين للنص المقدس الذى يفسرونه، وهى الرؤية التى جعلت البابا أوربان الثانى يقول بكل الإيمان الوحشى عام 1095: الرب يريد هذه الحرب، أى الحروب الصليبية، ولم يطلب منه المؤمنون الطيبون أى دليل على أن الله يريد الحرب، ورد على مَن سأله بأنه يوجد مسيحيون فى بيت المقدس قد يُقتلون، فقال بكل الإيمان التقى المتعصب: أقتلوهم وسوف يميز الرب عباده، وهى نفس الرؤية أو الفتوى التى قالها الشيخ أحمد بن تيمية عندما طلب منه بعض المسلمين الطيبين أن يفتيهم: هل يقتلون أسرى المسلمين الذين يتحصن بهم الأعداء أو يتترسون من خلفهم؟ فقال أقتلوهم وسوف يحاسب الله الناس على نياتهم، نفس الموقف وإن اختلف الدين، والطبيب الصهيونى موردخاى جولدشتاين الذى قتل المسلمين الفلسطينيين فى الحرم الإبراهيمى وهم يؤدون صلاة الفجر عام 1994 كان يؤمن أنه يتقرب إلى الله بهذه الدماء المراقة، ثم اعتبره اليهود بطلًا، وجعلوا من قبره مزارًا مقدسًا، ولنقس ذلك على الحروب الكبرى فى التاريخ القديم والحديث نجدها دائمًا تقترب من الدين أو استخدام الدين من أجل إشعال الحماس فى الحروب، أو تكريس الاستبداد، ومن هنا نتساءل: لماذا يزداد التعصب عندما يزداد الإيمان؟ وهل طلبت الأديان السماوية من المؤمنين بها أن يتعصبوا للدين فيرفضوا الآخر أو يقتلوه أو يسجنوه؟ وإذا لم تطلب الأديان ذلك فمَن ربط التعصب بالإيمان؟ ولماذا لا يشن الحروب سوى المؤمنين المتعصبين حتى صبغت الأرض بالدماء عبر قرون من التاريخ الدامى، ووصل الأمر بالملحدين إلى القول إن الأديان تفرق والإلحاد يجمع، إن الإيمان الغالب هو الإيمان المتعصب، الإيمان الخاطئ الذى يرى أنه يمتلك الحق المطلق، وأن كل ما عداه باطل يجب محاربته، وهؤلاء المؤمنون لا يرون أنهم متعصبون؛ لأنهم لا يرون الشعرة التى تقرن بين الإيمان والتعصب.

 

باسم المسيح ونشر المسيحية، تم إبادة جنس الهنود الحمر فى أمريكا جنوبًا وشمالًا، وباسم المسيح قامت الحروب بين المسيحيين الكاثوليك والبروتستانت فى أوروبا، وباسم الصهيونية تم احتلال أرض فلسطين وقتل أهلها، وباسم دين محمد رسول الله، اشتعلت نيران الفتنة الكبرى، فقُتل عشرات الآلاف من المسلمين المسالمين، فى حروب بين السُّنة والشيعة والخوارج.

 

وبالعودة إلى ميلاد المسيح، نجده الوحيد الذى تحدث عن نفسه باسم ابن الإنسان، وليس ابن الإنسانة، لأنه وُلد دون أب، فالمسيح يقول "الحق أقول لكم إن من القيام هاهنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا فى ملكوته" و"فإنى أقول لكم لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتى ابن الإنسان" و"وقال لهم ابن الإنسان سيد السبت أيضًا" و"بل لتعلموا أن ابن الإنسان له سلطة غفران الذنوب"؛ لأن ابن الإنسان جاء ينشد وينقذ الضالين"، ويتضح فى كل ذلك أن ابن الإنسان جاء لكى يقيم ملكوت الله فى الأرض، كما قُلنا، وفى موعظة الجبل ظل يردد طوبى، أى هنيئًا، "طوبى للمساكين بالروح؛ لأن لهم ملكوت السموات، طوبى للحزانى، لأنهم يتعزون، طوبى للودعاء، لأنهم يرثون الأرض، طوبى للجياع والعطاش إلى البر، لأنهم يشبعون، طوبى للرحماء، لأنهم يرحمون، طوبى لأتقياء القلب، لأنهم يعاينون الله. طوبى لصانعى السلام..."، تلك هى الوصايا اليسوعية، وهى نفس وصايا كل أنبياء الله، والقرآن يؤكد أن وراثة الأرض، وليس وراثة السماء تكون، كما جاء فى سورة القصص|83 "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا فى الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين"، ومن خلال رصدنا للتاريخ البشرى لم نجد أحدًا يستحق وراثة الأرض، إلا فى فترات نادرة خلال سير الأنبياء والمرسلين، والغريب أن أغلب الثورات الإصلاحية السلمية هى التى نجحت؛ مثل ثورة غاندى، وثورة الحسين. والمُدهش أن الأول قتله هندوسى متعصب، والآخر قتله حاكم مسلم متمرد.

 

ونختم بقول عبد الرحمن الشرقاوي، فى مسرحيته "الحسين ثائرًا": "الكلمة نور، وبعض الكلمات قبور، الكلمة فرقان بين نبى وبغى"، ولكن الأنبياء قلة، والبغاة كثيرون، وهم المتحكمون، وفى ذلك يتعجب المتألمون الحالمون.. وما زال الأمل قائمًا بدعوة محمد وكرازة المسيح.

 



أقرأ أيضا