«زمبليطة» في صالون الأزهر!

طارق الشناوي



«زمبليطة» في صالون الأزهر!



ما نتابعه الآن على صفحات الجرائد و(السوشيال ميديا) من تراشق بالتراث بين مؤيدي شيخنا الجليل الإمام الأكبر د.أحمد الطيب، ومؤازري رئيس جامعة القاهرة د.محمد الخشت، سيظل مجرد زيطة وزمبليطة في صالون الأزهر الشريف.. المحور الأساسي هو إعادة التفكير في ما يراه الأزهر ثوابت مطلقة، وما يراه قطاع من المثقفين أفكارًا نسبية نابعة من زمنها. وكالعادة يأتي الرد الذي يعتبرونه قاطعًا (اسألوا أهل الذكر)، والأزهر الشريف قطعًا أهل الذكر، بينما هم واقعيًّا يتدخلون في كل تفاصيل الحياة التي لها أيضًا (أهل ذكر) آخرون؛ مثل زرع الأعضاء، فهم يعترضون عليها، أو عند تقديم عمل فني يتناول مجرد آل البيت أو المبشرين بالجنة أو الصحابة؛ فيمنعون تداوله.

 

وصل الأمر إلى (لبن الرضاعة الصناعي)؛ حيث أفتوا مؤخرًا أنه لا يؤدي إلى أخوة في الرضاعة. ولدينا شيخ عثر قبل نحو أسبوع على دعاء للحيلولة دون وصول وباء (كورونا) إلى أرض المحروسة، وهناك مَن أفتي بجواز أن ترتدي المرأة صندلًا دون جوارب.

 

ناهيك بفتاوى إرضاع الكبير، وأكل لحم الزوجة بعد موتها أو نكاحها، في حالة الضرورة.. (أهل الذكر) لم يتركوا في أمور حياتنا أي شيء إلا وكان لهم فيه ألف رأي ومليون ذكر.

 

ما رأيناه مؤخرًا في ساحة الأزهر سيظل مجرد (زمبليطة) محورها التراث الإسلامي، وسوف تتبدد بعد قليل، فلم تكن الأولى، ومؤكد ليست الأخيرة.

 

خطاب الإمام الأكبر هو بالضبط الذي تؤمن به وتردده الأغلبية في الأزهر الشريف، وهو بهذا لا يعبر فقط عن قناعات شيخنا الجليل، الذي لا ننتظر منه أن يتجاوز أفكاره أو يدخل في معترك مع الأزهر.. إنها ليست قضية بين أزهريين وأفندية، كما يتم تبسيطها؛ ولكن سدنة الأزهر الكبار يشكلون الجانب الأكبر فيها، ولن ينجح أي حراك فكري إلا إذا بدأ من رأس الأزهر الشريف؛ ليقود هو دفة التغيير، بينما شيخنا الوقور لا تُصدر عنه أية لمحة تشي بأنه سيقود تلك العقول.

 

شاهدنا في فيلم (الباباوان) كيف أن البابا بنديكت أدرك تمامًا أن العصر يفرض عليه قدرًا من المرونة في التعامل مع مفردات الحياة، وهو غير مؤهل لها، فوقف وراء ترشيح البابا فرنسيس خلفًا له؛ لأنه الأقدر من وجهة نظره على قراءة مفردات الزمن، وهو ما يؤكد أن البابا بنديكت كان عنوانًا للمرونة لاتخاذ هذا القرار الاستثنائي، فهو بالنسبة إليَّ الأكثر شجاعةً من الأب فرنسيس؛ لأنه أدرك أن العيب فيه وليس في الزمن.

التغيير بدأ داخل مؤسسة الفاتيكان وليس من خارجها. ومع كل التقدير لما نراه يجري أمامنا على مدى العقود الأخيرة من مطالبات للأزهر الشريف بنظرة أكثر تحررًا؛ فإن الوصول إلى هذا الهدف لن يؤتي ثماره من خارج الأزهر، ولكن بأن تمتلك دفة الأمور بداخله، رؤية تجنح للعصرية، ولا يعني هذا أن تتجاوز عن صحيح الدين.

 

ندرك ونرى كيف أن الدواعش وغيرهم يأخذون من التراث كثيرًا ليبرروا به أفعالهم الدموية وقتلهم المختلف دينيًّا أو طائفيًّا.

 

لا نريدها مجرد (زمبليطة) في الصالون، مثل تلك التي أحدثها فريد الأطرش مع فاتن حمامة وماجدة وسراج منير في فيلم (لحن الخلود)، عندما كان يغني (جميل جمال)، وتبدل الحال مع قدوم مديحة يسري في اللقطة الأخيرة؛ فتوقف الجميع عن (الزمبليطة)!



أقرأ أيضا