الحالة النفسية في مواجهة «كورونا»

د. محمد المهدي



الحالة النفسية في مواجهة «كورونا»



تشكِّل الحالة النفسية أحد الأركان المهمة في مواجهة اجتياح فيروس كورونا للعالم؛ فنحن نحتاج إلى أعلى درجة من اللياقة والحصانة النفسية لنواجه هذه الجائحة التي لم يرَ لها العالم مثيلًا من قبل؛ حيث نجح فيروس لا يُرى حتى بالميكروسكوبات العادية في أن يثير الفزع في نفوس البشرية كلها، وينتصر على كل جبابرة العالم، ويجعل أسلحتهم وقوتهم بلا جدوى، ويجبر غالبية سكان الأرض على الانسحاب القهري من الشوارع والاختباء في بيوتهم.

 

ولكي نحقق أكبر قدر من التوازن والصمود النفسي في مواجهة الجائحة، علينا أن نعرف ما استجابات الناس لها وتأثير ذلك على نجاح المواجهة أو فشلها:

 

أولًا: هناك مَن يستخدمون دفاعات الإنكار في مواجهة الحدث، فيعيشون ويتصرفون وكأن شيئًا لم يحدث في العالم، ويهونون كثيرًا من الأمر، ويتهمون بقية الناس بالمبالغة في تقدير الخطر، وهؤلاء لا يلتزمون بالتالي بأي محاذير أو أساليب وقاية، ويتحركون في كل مكان، ويلتقون ما يشاؤون من أشخاص. وهؤلاء يشكلون خطرًا كبيرًا على مَن يخالطونهم؛ إذ يصبحون جسرًا يعبر عليه الفيروس من شخص إلى آخر وتطول دورة حياته، وتستمر الكارثة لفترات أطول.

 

ثانيًا: فريق ثانٍ من الناس أصيبوا بالهلع، وراحوا يقضون وقتهم يتابعون ما تبثّه وكالات الأنباء في كل لحظة من أخبار مقلقة وربما مرعبة، ويتابعون عدد الإصابات والوفيات في كل دول العالم، ويستمعون بإنصات إلى تعليمات الهيئات الصحية ويحاولون تنفيذها؛ ولكنهم -نظرًا لفرط خوفهم- يلتقطون الأخبار غير المؤكدة والشائعات المرعبة ويستجيبون لها على أنها حقائق وينقلونها إلى غيرهم بحُسن نية، ويقضون الليل والنهار يتابعون تطورات الجائحة، فيحرمون أنفسهم من النوم وتضطرب حالتَيهم الصحية والنفسية، وبالتالي يضعف جهاز المناعة لديهم، ذلك الجهاز الذي يشكل خط الدفاع الأوحد حاليًّا في مواجهة "كورونا"؛ حيث لم يصل العلم حتى الآن إلى مصل أو لقاح أو دواء للفيروس، وبالتالي يشكل هؤلاء أيضًا فرصة لمزيد من الانتشار والتوحش للمرض، ويزيدون أعداد الوفيات.

 

ثالثًا: الموسوسون، الذين يبالغون في الإجراءات الاحترازية، فيستهلكون كميات هائلة من المنظفات والمطهرات لغسيل كل شيء في المنزل عدة مرات يوميًّا، ويقيمون حواجز في البيت تحِد من حركة كل شخص في البيت، ويستنزفون هذه المواد من المحلات والصيدليات. .

 

رابعًا: مطلقو الشائعات، الذين وجدوا في مواقع التواصل الاجتماعي وجائحة كورونا فرصةً ذهبية لممارسة هوايتهم في إطلاق الشائعات وترويجها وتسخينها وتدويرها لإحداث أكبر قدر من البلبلة والفزع في جموع الناس، ويصنعون الشائعة؛ بحيث تبدو وكأنها خبر حقيقي صادر من أجهزة علمية أو أجهزة رسمية.

 

خامسًا: مطلقو النكات والكومكسات، وهؤلاء يساعدون فريق الإنكار في التمادي في إنكارهم؛ إذ يحولون الأزمة الخطيرة إلى مجموعة إفيهات ونكات وتعليقات ساخرة يتداولها الناس على مواقع التواصل بكثافة شديدة؛ فتجعلهم في حالة خدر لذيذ حتى يداهمهم الخطر أو الموت وهم يضحكون.

 

سادسًا: الشامتون، الذين يشمتون في البشرية التي فاح فسادها وظلمها (حكامًا ومحكومين) -في نظرهم- حتى آن الأوان للانتقام الإلهي منهم، ويشمتون بوجه خاص في الدول والأنظمة التي يعارضونها أو يعادونها.

 

سابعًا: اللائمون، الذين يبحثون عن دول أو زعماء أو حكومات أو أنظمة أو أشخاص يحملونهم كل المصائب التي حلَّت بالعالم؛ ومنها "كورونا"، ويلومونهم على التسبب في ما حدث وعلى التقصير في أساليب الموجهة.

 

ثامنًا: حاملو الهموم، وهؤلاء يغرقون في مشاعرهم السلبية وهم يسمعون الأخبار السيئة تتوالَى ويركزون على أعداد المصابين والموتى، ولا ينظرون في أعداد الناجين والمتعافين.

 

تاسعًا: المبسطون، الذين يرون أن الجائحة لا تحتاج إلى أبحاث طبية لاكتشاف أمصال أو لقاحات أو أدوية؛ بل يكفي الدعاء وتكفي الصلاة لهزيمة الفيروس، والذي هو مجرد انتقام إلهي من البشر الضالين.

 

عاشرًا: الانتهازيون، الذين يستغلون الجائحة لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية؛ فيركبون الموجة، ويبحثون عن الفرص المتاحة وقت الكارثة، ليستغلوها في تحقيق مصالحهم، وهؤلاء يستغلون حالة الخوف لدى الناس؛ كي يوجهوهم الوجهة التي يريدونها.

 

حادي عشر: القابعون في معامل الأبحاث المتأملون لتركيبة الفيروس وسلوكياته وخصائصه وطرق مقاومته؛ ليخرجوا بعد وقت طال أو قصر بمصل أو لقاح أو دواء يمكن البشرية من الانتصار على هذا الفيروس الذي انهارت أمامه الزعامات الورقية وخضع له البشر الذين ملأهم الغرور بقوتهم وقدرتهم، هؤلاء العلماء المجهولون هم مَن يستحقون أن تفتح لهم أبواب النصر في كل مدن العالم.

 

ثاني عشر: المبدعون، الذين يكتشفون وسائل جديدة للتعامل مع الظروف التي خلقتها حالة الحجر الصحي ومنع التجوال ونقص المال وصعوبات التواصل بين الناس، فيجدون حلولًا جديدة لتعطل الدراسة وتوقف الأعمال التقليدية والانهيارات الاقتصادية الحادة؛ تلك الحلول الإبداعية تمنح قبلة الحياة للبشرية حتى تنقشع الغمة.

 

فإذا أردت أن تعرف مدى تمتعك بالصحة النفسية وقت الأزمات، فانظر أين تقف من هؤلاء. ولنعرف أنه كلما زادت حالة التفاؤل بالنصر على هذا المرض واجتياز الجائحة بناءً على معلومات موضوعية موثوق بها، واتخاذ إجراءات احترازية مؤكدة وثابتة بالدليل العلمي، ومحاولة مساعدة الناس بعضهم بعضًا، وتجنب المخاوف الزائدة، والاستمرار في العمل والإنتاج بعيدًا عن التجمعات، والاستمرار في إبداع وسائل تكيُّف مع ظروف الحياة التي فرضها الوباء، والصلاة والدعاء والتطهر الروحي.. كل ذلك يساعدنا على الاحتفاظ بلياقتنا وصمودنا النفسي ويقوي جهاز المناعة لدينا، فننتصر في المعركة، ولابد أن ننتصر بإذن الله، ثم بجهد العلماء العاملين ليل نهار لإنقاذ البشرية، بعيدًا عن طنطنات السياسيين  والانتهازيين الذين يترقبون لحظة الانتصار؛ ليتصدروا المشهد ويقطفوا ثمارها.



أقرأ أيضا