هل يتغيَّر سلوك الناس بعد "كورونا" خصوصًا المصريين؟

د. محمد المهدي



هل يتغيَّر سلوك الناس بعد "كورونا" خصوصًا المصريين؟



يعتبر وباء كورونا هو الحدث الأهم في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، ولأول مرة في التاريخ الإنساني تتحول المدن الكبرى في العالم كله إلى حجر صحي شامل وتخلو الشوارع من البشر وتتوقف عجلة الاقتصاد ويعيش الجميع في حالة رعب؛ خوفًا من الموت والانهيار الاقتصادي.

 

وإن آجلًا أو عاجلًا ستنقشع غمة "كورونا" وينحسر الوباء كما انحسرت وباءات من قبله؛ إما بالمصل وإما باللقاح وإما بالعلاج وإما باكتساب البشر مناعة طبيعية ضده وإما بتغيرات كونية يعلمها الله؛ ولكن السؤال الآن: هل سوف تؤثر هذه الأزمة على سلوك الناس في المستقبل؟

 

لا شك أن جائحة كورونا قد أحدثت هزة عنيفة في نفوس البشر؛ إذ أدت إلى انهيار الافتراضات الأساسية لديهم عن أنفسهم وعن الحياة، فقد اتضح أن الحياة ليست آمنة، وأن البشر ضعفاء جدًّا لدرجة أن فيروس ضئيل جدًّا وتافه قد انتصر على كل إمبراطوريات وجيوش العالم، وأقعد البشر كلهم في بيوتهم لأجل لا يعلمونه، وقتل منهم كثيرين، ولم ينجُ منه كبير أو صغير، عظيم أو فقير، وعجزت المؤسسات العلمية عن المواجهة رغم ما تراكم لديها من خبرات.

 

قد يُصاب الناس ببعض الاضطرابات النفسية؛ مثل: كرب ما بعد الصدمة، أو رهاب كورونا (فوبيا كورونا)، أو القلق العام، أو الاكتئاب، وقد تصاحب هذه الاضطرابات الناس لفترات تمتد شهورًا أو سنوات؛ فيجترون ذكريات الوباء ويتأثرون نفسيًّا بها، ويحاولون تفادي كل ما يتصل بهذه الذكريات. وقد تستمر بعض السلوكيات الاحترازية من تكرار الغسيل، واستخدام المطهرات، وتجنب التلامس مع أي شخص ومع أي شيء، وهذه كنا نعتبرها سلوكيات وسواسية في الماضي، والآن أصبحت ضرورة سلامة وربما ضرورة حياة.

 

ربما تختلف اهتمامات الناس على مستوى العالم، فيعطون أولوية لأبحاث الطب والأطباء؛ بحيث تسبق صناعة السلاح ووسائل الدمار، ويقتطعون مبالغ ضخمة لهذه الأبحاث دفعًا لمخاطر محتلمة هائلة من "كورونا" أو غيره. وسوف تراجع الدول برامج الرعاية الأولية لديها والتي تغطي الأغلبية الساحقة من الشعوب وتنتشر في المناطق الفقيرة والقرى، وبرامج الطب الوقائي التي لا تحظى بتقدير أو اهتمام مقارنةً بالطب العلاجي.

وستصبح الفيروسات هي الخطر الأكبر الذي يهدد الوجود البشري من وقت لآخر بموجات متتالية من فيروسات جديدة أو فيروسات متحورة. وستنشأ علوم جديدة مثل اقتصاديات الرعاية الصحية واقتصاديات العدوى والأوبئة، وبرامج مواجهة الأوبئة والجائحات الفيروسية والبكتيرية. وسيزيد التعاون الدولي في أبحاث الأمصال واللقاحات والعلاجات، وسيتشكل ما يمكن تسميته "كونسلتو عالمي" لمواجهة الكوارث الطبية المحتملة.

 

ستتحول الصناعات من صناعة السيارات والطائرات ووسائل الترفيه ووسائل الدمار وتتجه إلى الصناعات الدوائية والأجهزة الطبية، وسيزداد بناء المستشفيات وتأسيس وحدات العناية المركزة.

 

ستقل إلى حد كبير التجمعات البشرية في الاحتفالات العامة والمهرجانات والمسابقات الرياضية وتجمعات الأعياد الدينية أو الوطنية، وسيكون هناك ميل دائمًا إلى التباعد الاجتماعي، وربما تنتهي طقوس مثل المصافحة والمعانقة والتقبيل.

 

ستتراجع سياحة المؤتمرات، وستعقد أكثر المؤتمرات  ON Line، وأيضًا الندوات والمحاضرات وورش العمل، وربما تتغير صورة المدارس والجامعات، فتختفي الفصول التقليدية وقاعات المحاضرات أو تقل كثافتها.

 

سوف تزدهر شركات التكنولوجيا الحديثة التي تسهل عمليات التعلم عن بُعد، وعقد المؤتمرات والاجتماعات بالفيديو كونفراس، وقد زاد استخدام تطبيق Zoom في الأيام الأخيرة؛ لتحقيق هذا الهدف.

 

وربما يشعر الناس بالوحدة الإنسانية والمصير المشترك والخطر المشترك، فتقل الصراعات البينية (بين الدول وبين الناس). وقد تزداد حالات التوافق بين المجموعات المتعارضة أو المتصارعة، وقد تقل النزعات الاستقطابية أو الطائفية أو العنصرية.

 

قد تتراجع قيمة وشهرة الفنانين والأدباء ولاعبي الكرة، ويصبح علماء البيولوجي والفارماكولوجي والطب والأطباء هم نجوم المجتمع. وربما تتنافس الدول ومراكز الأبحاث في شراء علماء البيولوجي وعلماء الطب كما تتنافس الأندية الرياضية في شراء اللاعبين الموهوبين.

 

ربما تتراجع العولمة الاقتصادية وتنغلق الدول على نفسها اقتصاديًّا؛ في محاولة لحماية نفسها وقت الأزمات، خصوصًا حين تفرض الظروف عزلة اقتصادية. 

 

ربما تتغير عادات الناس المتصلة بالنظافة الشخصية ووسائل التطهير والتعقيم، وطرق التعبير عن المشاعر بالسلام أو الأحضان أو القبلات أو غيرها، ومدى اقترابهم بعضهم من بعض، ومدى قبولهم فكرة التجمعات في الساحات أو في النوادي الرياضية أو المقاهي أو السينمات والمسارح والكافيهات أو حتى في دور العبادة.

 

ربما تتغير عادات الناس الاستهلاكية بعدما شعروا بخطر الفقر والانهيار الاقتصادي والمجاعات وفقد الاحتياجات الأساسية نتيجة الحظر وتوقف عجلة الاقتصاد والإنتاج وتوقف عمليات التصدير والاستيراد.

 

ربما تترسخ في نفوس الناس فكرة أنهم كانوا ضعفاء للغاية فتنكسر حدة الغرور الإنساني ويميلون أكثر إلى التواضع والبساطة والرحمة بعضهم مع بعض.

 

قد يعرفون قيمة التكافل في ما بينهم، ذلك التكافل الذي حمى الفقراء منهم وأعطى للجميع الشعور بأنهم لن يضيعوا ما دام الناس متراحمين ومتعاونين ومتكافلين.

وربما تترسَّخ مفاهيم منظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية والمؤسسات الإنسانية التي تحتاج إليها المجتمعات في وقت المحن، حين تتجاوز احتياجات الشعوب قدرات الحكومات وتدابيرها. وقد يحدث العكس لدى بعض الناس فتزيد الفردانية والأنانية ومحاولة كل شخص أن يؤمن نفسه تحسبًا للمخاطر.

 

قد تتغير العلاقات داخل الأسرة الواحدة بعدما اقتربوا بعضهم من بعض في أثناء الحظر، فتتعزز العلاقات داخل بعض الأُسر التي اكتشفت أهمية القرب بين أفرادها، وتنهار أسر أخرى اكتشف أعضاؤها أنهم عجزوا عن التوافق حين اقتربوا.

 

ربما تحدث مراجعات سياسية واقتصادية وطبية واجتماعية بناءً على أداء المؤسسات وقت الأزمة، وربما تجري محاسبات قاسية للمقصرين أو المتهاونين أو الذين انتهزوا فرصة الوباء لتحقيق مصالح خاصة.

 

ربما تتغير نظم سياسية في العالم بناءً على تجارب الحظر، وقوانين الطوارئ، والحاجة إلى قرارات قاطعة وسريعة، وتغليب احتياجات جموع الناس على احتياجات الأفراد، وربما تتراجع مساحات الحريات الفردية، وتميل النظم نحو الشمولية؛ خصوصًا بعد نجاح الصين (كنظام شمولي) في مواجهة الوباء مقابل فشل أوروبا (كنظم ديمقراطية) في المواجهة الجماعية. وفي العموم فقد كشفت أزمة كورونا مواطن ضعف كثيرة في دول شتى ستحتاج إلى إعادة هيكلة مؤسساتها.

 

وفي المجمل سوف يتراجع الانبهار بالنموذج الغربي الذي فشل أو تباطأ في المواجهة لصالح النموذج الشرقي (الصين وكوريا وسنغافورة) الذي نجح في المواجهة، وربما يتمحور العالم حول النموذج الشرقي الصيني ويبتعد عن النموذج الغربي الأمريكي.

 

ستتراجع كثيرًا معدلات التدخين؛ إذ ثبت أن التدخين يعتبرعاملًا مساعدًا قويًّا في تدهور حالات المصابين بـ"كورونا"، وأنه يزيد من حالات الوفيات؛ حيث يضعف خلايا الرئتين ويسهل استيطانها بالفيروس، والشيء نفسه بالنسبة إلى تعاطي الكحول والمخدرات. 

 

سيتم الاهتمام بالأنظمة الغذائية التي تزيد من جهاز المناعة، فيقبل الناس على الخضراوات والفواكه والأغذية الطبيعية، وفي المقابل يقل الإقبال على الأغذية السريعة والمعلبات التي ثبت تأثيرها السلبي على جهاز المناعة. 

ستكون البلاد الحارة والمشمسة ذات تفضيل سياحي وعلاجي عند المواطن الأوروبي، بل وربما مكانًا للعيش والاستثمار؛ حيث ما زالت تلك البلاد هي الأقل في تسجيل حالات إصابة أو وفيات في هذه الجائحة.

ستنغلق الدول على نفسها وتحاول الاكتفاء الذاتي في الطعام والدواء والتصنيع؛ تحسبًا لإغلاق الحدود في أي وقت.

 

سيعود الاهتمام بالزراعة لدى الدول؛ كي تحقق اكتفاءً ذاتيًّا بالطعام وقت انتشار الأوبئة وتوقف حركة الاستيراد والتصدير.

 

سيتوقف الناس بدرجات مختلفة عن التبذير والسفه في الإنفاق؛ لكي يؤمِّنوا أنفسهم وقت الأزمات، وستتراجع الإنفاقات المبالغ فيها في الزواج وإقامة الأفراح في الفنادق الفخمة، والتبذير في المصايف وحفلات الترفيه.

 

ستقل الرغبة في السفر للسياحة أو التعليم أو العلاج؛ خصوصًا إلى الدول الأوروبية التي ستكتسب صورة مختلفة في السنوات القادمة كمصدر للعدوى المحتملة بـ"كورونا" أو غيره، وسيقل انبهار الشعوب بهذه الدول.

 

وعلى الجانب الآخر، قد تتجه الأنظار في السياحة والاستثمار إلى الدول الإفريقية أو دول جنوب شرق آسيا. 

 

سيقبل الناس أكثر على دور العبادة؛ خصوصًا بعد أن حرموا منها في فترات الحظر والعزل الاجتماعي، وستنشط الدعوة الدينية، وتزيد الطقوس الدينية والتوجهات الروحانية للاحتماء بالقوة الإلهية بعدما ثبت ضعف البشر أمام كائن غاية في الضآلة.

 

وبالنسبة إلى التغيرات في المجتمع المصري، فقد تحدث بعض الأشياء التي ذكرناها ولكن ستكون بدرجة أقل؛ حيث ثبت من تجارب كثيرة بطء التغيير في الشخصية المصرية، فقد مرَّت أحداث جسام على المصريين في السنوات الأخيرة، ولم يكن التغيير متناسبًا مع تلك الأحداث؛ وذلك لأسباب كثيرة ربما القوة النسبية للشبكات الاجتماعية، وربما للدفاعات التي يستخدمها المصريون؛ مثل النكتة والسخرية من المخاطر والأحداث، وربما العامل الديني الذي يعطي ثباتًا وطمأنينة وقت الأزمات.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..