"كورونا" ليس من جنود الله.. جنود الله لا يعرفهم ولم يرهم مخلوق

على أبو الخير



"كورونا" ليس من جنود الله.. جنود الله لا يعرفهم ولم يرهم مخلوق



ذكرنا من قبل، أن رجال الدين من كل الأديان والمذاهب حاولوا فرض رؤيتهم التي تتلخص في أن وباء كورونا بسبب غضب الله على البشرية، ثم زعم البعض منهم أن كورونا من جنود الله ليؤدب البشر به، وهو ما دعانا للكتابة عن جنود الله في القرآن الكريم، فالله جل شأنه خلق كل شيء بقدر محسوب وعلم مقصود، خلق الأرض وما عليها ومن عليها، وخلق كل شيء، خلق الشمس والقمر والقوانين التي تسير عليها وخلق الأكوان، قال تعالى في سورة الرعد|16: "قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار"، وقال في الزمر|62 "الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل"، وهي آيات واضحات، ليس فيها تأويل أو تبرير، والله رحيم بعباده رؤوف بخلقه، لم يخلق البشر ليعذبهم، ولكن ترك لهم حرية اتخاذ القرارات المصيرية، المجتمعية منها والفردية، ليكون العدل قائما في الدنيا والآخرة، ولا يدعي أحد أنه مظلوم.

 

على أية حال، عندما نبحث عن جنود الله في القرآن الكريم، نجد أن الجنود صنفان، الجنود العسكريون، وجنود لهم صفات خاصة مختلفة، ليسوا جنودا مدنيين بطبيعة الحال، فالله عندما ذكر الجنود العسكريين، وصف المؤمنين منهم بصفات الإيمان والسكينة والرحمة، وعدم إجبار الناس على الدخول في الملكوت الأرضي، فهناك إذن جنود الله، وهي موجودة بكثرة في الآيات القرآنية، نقتصر منها على ما جاء في سورة الفتح|4: "هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليمًا حكيمًا"، وقال في سورة الصافات|173: "وإن جندنا لهم الغالبون"، مثل جنود الأنبياء كجنود النبي سليمان وجنود طالوت، وهؤلاء الجند في الأرض وليسوا منزلين من السماء، قال تعالى في سورة يس|28: "وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين"، فالله لم ينزل ولن ينزل جندًا من السماء، وكما أن لله جنودًا، فالشيطان له جنود وهم كثيرون في تاريخ البشر، قال تعالى في سورة الشعراء|95: "وجنود إبليس أجمعون"، وبالتأكيد منهم جنود الطواغيت كجنود فرعون وجالوت، ودائما ما يصطدم جنود الله بالمعنى المجازي مع جنود الطواغيت على الأرض وليس في السماء، وحدد الله أن وراثة الأرض واستخلافها، تكون للمتواضعين المؤمنين الذين يقيمون العدل المفقود والغائب عن البشرية، قال تعالى في سورة النور|55: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون"، وهو وعد إلهي لأية حكومة صالحة، تعمل الصالحات، ولا تضطهد مواطنيها، ولا تعذبهم، ولا تفضل أحدًا على أحد بسبب الدين أو العرق أو اللون، ويعبد هؤلاء الصالحون الوارثون الله تعالى، ليس بكثرة العبادة ولا كثرة طقوسها، ولكن بإقامة العدل والتسامح والأريحية والإيثار.

 

والله في نفس الوقت ميّز جنوده غير المرئيين بأن أحدًا لم يرها ولن يراها، قال تعالى في سورة التوبة|26: "ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين"، فالجنود التي لم يرها أحد، هي من الغيب الذي اختصّ الله ذاته العليا بها، وبالتالي لا يمكن معرفتها، ربما كانت الملائكة من هذا الصنف، وهم الذين ساعدوا المسلمين في معركة بدر الكبرى، ومن نافلة القول إنهم جنود غير عسكريين، وهو ما نلاحظه في الآية 40 من نفس السورة، التي تتحدث عن هجرة النبي عليه السلام من مكة المكرمة إلى يثرب التي صارت المدينة المنورة، قال تعالى: "إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم"، فالله أيد النبي وصاحبه بجنود لم يروها ولم يرها أحد، ولا يجوز أن تكون الحمامة والبيض والعنكبوت هي التي ضللت المشركين المطاردين للنبي في هجرته الشريفة؛ لأنها مخلوقات مرئية، ولكن الله قال إنها جنود غير مرئية، ربما رآها النبي عليه السلام، والمسلمون لم يروها ولن يروها، ولكنّ المؤرخين في العصر العباسي أضافوا الحمامة وبيت العنكبوت تماشيا مع عقول من يعتقدون بضرورة وجود معجزات كونية، وما يؤكد حديثنا، ما جاء في سورة الأحزاب|9: "يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود  فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرًا"، وهو أمر واضح؛ فالجنود العسكريون في التحالف الأعرابي القديم بقيادة أبي سفيان في معركة الأحزاب، أرسل الله عليهم ريحًا، ريحًا شديدة، ومع الريح جنودًا لم يرها المسلمون ولا المشركون، فالله يقول جنود لم تروها، ثم قصر الله سبحانه على نفسه معرفة ماهية هذه الجنود الربانية، قال في سورة المدثر|31: "وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر"، فجنود الله لا يعلمها إلا الله، وهي ذكرى وإنذار للبشر جميعًا، وليس للمسلمين وحدهم.

 

وبالتالي كل مَن يعتقد أن الفيضانات والأعاصير والأوبئة من كوليرا وإنفلونزا طيور أو خنازير أو وباء كورونا، من جنود الله، فهو يتعدى على القرآن الكريم، ويعتدي أيضًا على خلق الله بادعاء معرفة الغيب، ذلك لمن كان له قلب منيب، والله أعلى وأعلم وأرحم.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..