كورونا التطرف

أحمد عليمى



كورونا التطرف



لا يزال الوضع الصحي بالعالم في حالة متدهورة؛ بسبب انتشار فيروس كورونا، ولا يزال الوضع في مصر صعبًا؛ بسبب الزيادة الكبيرة في عدد الحالات مع عدم اهتمام الناس بخطورة المرض ورغبة الحكومة في أن يكون وعي المواطنين هو الفاصل في تجاوز الأزمة.. وسط كل هذا الوباء الذي لا لقاح أو علاج له حتى الآن، لابد أن تظهر لنا عجائب الأقوال وسخافة الردود وتطرف الفكر.

 

القول إن كل إنسان له حرية الرأي شيء لا يحتاج إلى تأكيد، حتى ولو كان هذا الرأي نراه تحت بند قلة الفهم؛ ولكن للجميع الحق في التعبير عن آرائهم الشخصية، سواء أكان رأيًا عظيمًا أم عكس ذلك؛ لهذا كان طبيعيًّا أن نحترم الآراء التي أدلى بها الممثل الشاب على صفحته الشخصية؛ ولكن مع قراءة جيدة نجد أن هذه الآراء لم تكن شخصية وليس لها تبرير لأن تُحترم؛ لأنها آراء متطرفة.

 

لابد أن يفرِّق أي إنسان بين الرأي الشخصي الذي له الحق فيه والرأي الذي يحمل تجاوزًا (قلة أدب).

 

التجاوز لا يعتبر نهائيًّا رأيًا شخصيًّا، وهو في القانون جريمة، ولو ذهب أيٌّ منا إلى الخبراء القانونيين لأكدوا ذلك؛ فهل عندما يتم وصف كاتب راحل بالنفوق، هل يعتبر ذلك اللفظ حرية شخصية؛ لأنه تتم كتابته على صفحة شخصية؟ أو محاولة التهكم على أحد الكتَّاب بأنه (متنصر)، هل الديانة المسيحية التي أنزلها الله محل تجاوز أو تقليل؟ ولو وصفها أي إنسان عربي أو أجنبي على الديانة الإسلامية لكنا جميعًا رفضنا هذا التقليل أو التجاوز.

 

ويبقى السؤال: كيف تعامل هذا الفنان مع مخرج المسلسل، وهو مسيحي الديانة؟ أو عندما نرى اتهام الباحث الإسلامي بالإلحاد، هل هذا حرية شخصية في وصفه بذلك؟ على الرغم من أن الممثل رفض وصف العناصر الإرهابية والتكفيرية؛ لأن الأزهر الشريف لم يكفرهم، ولكن بسهولة تمامًا هو اتهم أحد الباحثين بالإلحاد؛ لأن أفكاره وطريقته لا يرضى عنها، هو بالتأكيد كما يصف نفسه أنه لا ينتمي إلى أي تنظيم سياسي أو ديني؛ ولكن في النهاية هو شارب أفكارهم ويؤمن بما يقولون، ولكن قد تكون طريقته مختلفة عنهم؛ هم يحملون السلاح وهو يؤمن بأفكارهم ويروجها.

 

وفي محاولة للرد، قال الممثل الشاب:

" لمَن يهمه الأمر.. أقر أنا المصري المسلم الذي تربى ونال تعليمه الأساسي في مدارس الرهبان، والذي نشأ كما ينشأ كل مصري على حب كل ما هو مصري.. وأنني لم أكن في يوم من الأيام ولن أكون إن شاء الله منتميًا إلى أي من التيارات أو الجماعات الدينية أو الفكرية المنحرفة المتطرفة، سواء من تطرف منها يمينًا كالخوارج التكفيريين، الإخوان أو المتسلفة، أو يسارًا كمَن يسمون أنفسهم بالحداثيين وأشباههم، وأنني ككل مصري مسلم بسيط لا أعرف لديني مرجعية علمية فكرية سوى الأزهر الشريف، أبجل إمامه ومشايخه، وكذلك ككل مصري أقدس جيشي الوطني أفرادًا وقادة، ولم ألق شرفًا في حياتي المهنية كشرف اشتراكي في عمل يخلد سيرة الأسطورة ابن القوات المسلحة المصرية الشهيد (أحمد منسي) وهو شرف لو تعلمون عظيم".

 

وفي مداخلة إعلامية، فسَّر ما قاله؛ ولكن لم ينفِه، وأكد أنه يؤمن بما يقول، وأن والده رباه على عدم الكذب.. وهو شيء جميل بكل تأكيد أن والده غرس فيه هذا النبل الإنساني بعدم الكذب؛ ولكن لماذا لم يغرس فيه والده القيم الإنسانية الأخرى التي أنزلها الله من عدم الإهانة وعدم الفرح في الموت واحترام الآخر وتقدير العلم وأن ليس كل ما يقوله أي شيخ نصدقه وأن نعمل عقولنا وأن تكون الإنسانية هي أساس تعامل البشر، وأن الإنسان قد يخطئ ويصيب، ولكن التطرف الفكري والإنساني الذي يريد أن يبرره الممثل الشاب لا يختلف عن التطرف الفكري الذي يريده اليمين المتطرف بالخارج، وهو رفض أي آخر مهما كان لا يتفق مع جنسهم أو أفكارهم، ويطالبون بطرد أي إنسان لا ينتمي إلى جنسهم أو أصولهم أو حتى ديانتهم.

 

تبرير هذا الشاب، اللي عامل فيها فنان، أنه يتفق مع ما يقوله الأزهر الشريف، ويقف مع القوات المسلحة بدليل اشتراكه في بطولة مسلسل عن الشهيد منسي، ليس دليل براءة لما يقرره، فهل لو راجعت الدولة آراءه في الفترات السابقة بعد يناير وقت ظهور جماعات حازم صلاح أبو إسماعيل أو محمد مرسي أو محمد حسان أو حسنين يعقوب، هل كان يرى أن الأزهر والقوات المسلحة هما أساس انتمائه؟

 

ولكن ما علاقة هذا الفنان بوباء كورونا؟

العلاقة أن أفكار هذا الشاب لا تختلف عن هذا الوباء، أفكار منتشرة منذ سنوات بكل المدن والقرى المصرية، أفكار تتخذ من المساجد والزوايا في المدن والقرى الصغيرة نشاطًا لبثّ سموم كل يوم وفي نفس الوقت تمدح في الدولة وتحترم الأزهر الشريف.

 

الجميع يحترم الدولة ويقدر الأزهر الشريف؛ ولكن هل هو احترام وتقدير حقيقي أم احترام وتقدير لتخبئة ما يؤمن به من أفكار سامة؟



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..