بيت أُمى

حمدي أو جليل



بيت أُمى



أكتب الآن فى بيت أُمى، البيت الذى أحيته أمى، زارته مراية أيام كان ينغش بخلق الله، من كل زوجين اثنين ثلاثة أربعة، كل الطيور وكل الحيوانات وحتى الزواحف والحشرات المتعارف على شغيها فى البيوت كانت تشغى فى بيت أُمى.

 

والآن، فى عهدى المبارك يعود حثيثًا إلى فترة أو قُل مأساة أو قُل "مُحجرة" ما قبل أُمى. كان ينهار، يندثر اندثارًا، هو أساسًا ليس بيتًا، بضع أوض؛ أى حجرات متسعة.. متسعة جدًّا، "الأوضة قد شقة أوضتين وصالة من بتوع القاهرة"، ولا عدلة لها، وكلها عارٍ أو معرَّش بالبوص، وكل أوضة مخصصة لنوع من الحيوانات أو الطيور أو الزواحف إذا اعتبرنا أسراب الأرانب الرضيعة العمياء الزاحفة على الأرض طوال الوقت نوعًا من الزواحف، باستثناء "المنضرة" أى "المربوعة" أى حجرة الضيافة التى تمطعت فيها مراية كما لو أنها تتمطَّع أمامى الآن.. أوض بيتنا مقسمة بين الحيوانات، اتناشر أوضة، حداشر للحيوانات وواحدة لنا، الحقيقة اثنتان واحدة لنا والثانية للضيوف.

 

 والأسبوع الماضى نسيت "الحنفية" التى فى صدر الصالة مفتوحة، وظلت تصب فى البيت حتى تحول إلى جزيرة وسط مستنقع من الوحل، وأنا الآن خائف أترقب فعليًّا أن ينهار علىَّ فجأة ومن كل الحوائط والزوايا والأركان.

 

وسكَّانه، أسرة جدى عيسى، كانوا يستعدون للموت فى استسلام تام، وخضوع أتمم لقضاء الله وقدره. جدى عيسى مات وهو فى الأربعين من عمره ولحقته عمتى حميدة وهى فى الخامسة عشرة، ثم عمى حامد وهو دون العشرين. وعندما وصلت أمى فى ثوب عرسها كانت "حني" طامية ممددة على فراش الموت، وكل ما أوصت أمى به وألحّت عليه هو ألا تنسى أن تجذب إصبع رجلها اليمنى الكبير بقوة عندما تموت حتى ينغلق فمها، وهذا ما نفذته أمى حرفيًّا وقالت: "اتصكت وكأنا ترباس، على م شديت اصباع كراعها الكبير حتى انسدت من فوقت وتحت"، وربما من باب التأثر مات جدى عولة فى هذه الأثناء، وعادت أمي من ميتمه مباشرة على "ميتت" حني طامية.. "ميتت"، أمى كانت تطلق كلمة "ميتت" على وفاة الإنسان، وتؤرخ بها، يوم "ميتت" فلان ويوم "ميتت علانة"، وكأنه يمات أو تمات ولا يموت بنفسه أو تموت بنفسها، لا أعرف لماذا كنت أتخيل "ميتت" فى خنقة، ميتت تعنى خنق الإنسان حتى الموت، وكلما قالت "ميتت" أتخيلها "خنقة عنيفة لإنسان غافل".

 

وكل ما تذكره أمى من أيام عرسها فى بيت جدي عيسى هو الراحة التامة، كانت دائمًا تقول لى رقدت وتمطعت بمنتهى الراحة والاستمتاع، وخجلت طبعًا أن أسألها عن صومها مع أبى صباحية عُرسهما، وأعتقد أنها ميزة انفردا بها بين أزواج العالمين، الأزواج يفطرون وهم صيام حتى يستمتعوا باللحظة التاريخية، وهما تسحَّرا فى عشية العرس وباتا على نية الصيام.

 

قبله، فى بيت جدى عولة كانت أمى لا تنام، تؤكِّل وتشرِّب وتغسّل وتلبِّس قبيلة كاملة، إخوتها السبعة وأبناء عمها رحيمة الثلاثة وأمها وعمتيها والبنات وضيوف عولة "اللى م ينقطعوش لا ليل ولا نهار"، وقبل الشمس تكون حلبت الناقة والجاموستين والبقرة وخضَّت الحليب وقلعت القليعة وعملت العصيدة فى "الطُشت" من فرط ضخامتها، وجاءت للفراغ التام، الهو، المُحجرة، الأرض الحجرية التى بحطة يد الله، والأسرة العايشة مع الموت بمنتهى الاستسلام والسكينة والرضا التام بقضاء الله وقدره.

 

وأُمى فرحت بمراية جدًّا، وقبَّلتها وحضنتها وتلمَّستها وتحسَّستها طويلًا وكأنها تعرفها، أمي في آونتها الأخيرة .. الحقيقة في كل آنيتها تفرح وتسعى بجد وإخلاص في موضوع التزاوج، والأخبار من قبيل أن فلانة تزوجت فلانًا أو فلان بيحب فلانة كانت تشعرها بسعادة حقيقية، وياما جوزت بنات، وكانت تتسلل بهم إلى الأضرحة المباركة وحتى السحرة والمشعوزين في سبيل الجوازة، وبالمناسبة كانت تتعامل مع شيخ سرة باتع ناحية الحجر لم تزره ببنت إلا تزوجت.

 

وعملت لنا وليمة الكسكاس الشهى ودعت لنا كوكبة من كبار المتكلمين فى العائلة، وتباروا جميعًا فى تسميع مراية المواقف الزاهية فى تاريخنا التليد من أول الحملة الفرنسية إلى محمد على وسعيد وأم حليجة وثورة 19، حتى الضابط البطل معوض الذى استشهد على حدودنا الشرقية فى التسعينيات، وراويتنا العظيم شيخ البلد محمد بو دياب بدأ بالقصيدة التى قالها جدنا فى الترحيب بالأميرة عالية بنت الملك إدريس السنوسى حينما زُفت لابن عمه محمود بو الباسل شيخ قبيلة الرماح فى الفيوم، على سبيل الترحيب بمراية فى الوطن، وطننا نحن قبيلة الرماح بالفيوم، وألقى قصائد لفرحات بو محارب والعياط وعلى بو صالح وغيرهم من مشاهير شعراء بدو المنطقة.

 

وفجأة امتعضت مراية. كنت قاعدًا أنا وهى على سجادة أُمى الحمراء فى المنضرة وسط عشرة رجال معممين، وحسيت أنها للحظة خافت، خطر على بالها واحد من المشاهد التى لا تنتهى عن أقوام من الهمج انقضوا على سيدات غربيات وأكلوهن أكلًا، وبدا كما لو أنها بوغتت بألمٍ جسدى ما، وفجأة انقبضت على نفسها والتصقت بى وهمست لا بل زمجرت "أمال فين الستات؟" فقلت "مفيش ستات للأسف وأمى هنا مش باعتبارها ستات وإنما باعتبارها تخطت للأبد كل ما يتعلق بكونها ستات".

 

واضطجعت مراية، لا أذكر إن كان على المخدة أو على كوعها نفسه، ونظرت حولها بمنتهى التحدى والإصرار، وشمَّرت عن ساقيها حتى بانت، وأحسست أنها تفكر فى الانتقام للستات منا، أو على الأقل إثبات حضورهن الطاغي وسط هذه المعمعة الرجالية، وشمّرت عن ساقيها أكثر حتى انكشفت تمامًا ثم اضطجعت على كوعها، وأنا خفت أن تتمادى وتصبح فضيحة، ماذا يقول العرب المغاوير؟! ولكن العجيب يا أخى أن المغاوير لم يقولوا شيئًا، وتعاملوا مع الأمر باعتباره عادى و"حجات عادية عند الناس هضول"، والواحد يكاد يطلع لسانه وهو بيقول "هظول"، ولما استلقت مراية مكشوفة الساقين بدا وكأنها نالت إعجابهم جميعًا، لا وكمان "بهّت بهّت بتدير ايش!" ولكن فى صمت طبعًا ودون "م الواحد ينظّ".

 

وزرنا خرابة أم البريقات، وهى بقايا بائسة من قرية كاملة من العصر اليونانى أو البيزنطى، صفٌّ من الأسود المرمرية البيضاء مقصوفة الرأس، وأسوار متهدمة وكتل حجرية منحوتة وصف من الأعمدة الغائرة فى قلب الصحراء، وقديمًا، حتى نهاية الستينيات، كان جدى عولة الله يرحمه يكمن فيها البهايم المسروقة، وكان يربط الحمير بالذات -الحمير اللى متسواش نكلة- في رقاب الأسود الأثرية التى لا تقدَّر بثمن.

 

ولكن إذا كانت حمير جدى المسكين بعّرت فوق الكنوز الأثرية فهناك من أكرمها ونعَّمها فى أوروبا، ونُزحت أم البريقات، التى كانت عبارة عن قرية أو قُل مدينة كاملة، على المتاحف وحتى البيوت الأوروبية، ولم يبقَ منها إلا أسوار مهدمة وأسدان مبتورا الرأس، ومراية زهدتها بل كرهتها سريعًا، وعادت مسرعة للمارسيدس.

 

ومررنا على أثرنا الحقيقى، أثرنا المندثر مندثر، أطلال سراية أم حليجة التى صُفي فيها شيوخ قبيلة الرماح الأربعين فى عهد الخديو سعيد، ومن يومها استقروا، كفُّوا عن الترحال والنهب وتحوَّلوا إلى فلاحين امتلكوا الأرض وزرعوها وعبدوها عبادة.

 

سراي جميلة، مهيبة، أسوارها الباقية على تهدُّمها شامخة ومتينة، وكانت مبلطة بريالات الفضة والذهب، وكان لها شخشيخة تمتص شعاع الشمس طول النهار وتبثه طوال الليل فتتحول إلى لؤلؤة فى قلب الصحراء.

 

- جزء من رواية قيد النشر بعنوان "يدي الحجرية".

 

 

 



أقرأ أيضا