لا يهم كيف انتشر الإسلام.. الأهم أن يبقى خالصًا لله

عصام الزهيري



لا يهم كيف انتشر الإسلام.. الأهم أن يبقى خالصًا لله



مع الفتوح العربية ظهرت المدن التي يسكن فيها الفاتحون ولا يسكن فيها أهالي البلدان الذين بقوا في مدنهم وقراهم ليؤدوا الجزية والخراج.

 

وكان معنى أن يعتنق واحد من أهل البلدان الإسلام أن يرفع الخراج والجزية عن رأسه. ويصير داره وما كان في يده من أرض إلى أهله. يؤدون عنها ما كان يؤدي هو عنها من الخراج. لينزل هو مقيمًا بين الأقلية العربية الفاتحة المحظوظة التي تسكن الأمصار -أي الحواضر- مثل الكوفة والبصرة والفسطاط في مصر.

 

تزايد خروج أهل البلدان الأصليين من دينهم إلى الإسلام، ومن قراهم بالتالي إلى الأمصار؛ التماسًا للنجاة من ضغوط العمل وأداء الجزية والخراج، وبإغراء نصيبهم من بيت المال الذي يصير مقررًا لهم بمجرد انتقالهم للسكن في الأمصار، أدى إلى صب الزيت على نار ثورة معروفة في التاريخ العربي باسم فتنة ابن الأشعث سنة 82 هجرية؛ لأن الحجاج والي عبد الملك بن مروان -كما يقول ابن الأثير- خوفًا من هجر القرى وفلاحة الأرض ونقص الخراج كتب إلى الأمصار: "أن من كان له أصل في قرية فليرجع إليها لتؤخذ منه الجزية والخراج". فخرج الناس في أيام الأشعث وهم يبكون وينادون: "يا محمداه! يا محمداه!"، ولا يدرون أين يذهبون لأنهم فرقوا دورهم وأرضهم في أصحابهم.

 

ولأنهم لا يريدون العودة إلى شقاء العمل والجزية والخراج، فانضم كثير منهم إلى ابن الأشعث وكانوا مصدرًا لاستفحال ثورته.

 

لماذا نروي هذه الحكاية؟!

السؤال غريب في ظل الرد البديهي عليه، وهو أننا نروي التاريخ من كتب التاريخ؛ لأنه التاريخ. ودون رواية التاريخ لا نستطيع فهم مسار الأحداث في الواقع وسياقها كما جرت في الماضي وما أدت إليه في الحاضر.

 

كما أننا لن يمكننا دون ذلك اكتشاف "قانون" سير الأحداث، وهو غاية كل علم بالتاريخ أو بغيره.

 

ورغم دهشة سؤال "لماذا نروي؟!"؛ فإنه صار من أشيع الأسئلة وأكثرها تداولًا في الذهنية الدينية العربية بعد أن تحولت هذه الذهنية من بؤرة الاهتمام بالحقيقة إلى بؤرة الحفاوة بالتعصب. ومن وضع ذهني طامح للمعرفة إلى وضع ذهني متمترس بالأيديولوجيا؛ أي بعد أن انتقل العقل الديني من دائرة التدين إلى دائرة السياسة.

 

ولأُبسِّط الأمر أكثر، أؤكد أني لا أروي هذه الوقائع لكي أضع يد أحد على طريقة انتشر بها الإسلام ومن ثم أحاول رده عنه!

 

ببساطة لأنني لو أردت أن أناقش قضايا الإيمان، كوجود الله أو صدق الوحي أو النبوة مثلًا، فسيكون عليَّ أن أتوجه جهة الفلسفة وليس جهة التاريخ. كما أنني أروي وقائع جرت فعلًا من قرون طويلة لأناس لا نعرفهم حتى لو اعتبرناهم أجدادنا.

 

وقد أصبح الإسلام بعد تعاقب هذه القرون إيمانًا راسخًا لا يسائل المؤمن به نفسه وهو يطالع تاريخه سؤالًا مثل: إن كان يجب أن يبقى عليه أو لا. وقد أصبح اعتناق أي دين أو تركه حرية شخصية.

 

فلا يعتني أحد بدين أحد أو رفضه للدين. فالإيمان الروحاني بطبيعته لا يمكنه أن يقيّم بأدوات العلم أو يكون موضوعًا لبحث عقلي مادي؛ مما يعني أن الإسلام تحول إلى ثقافة مستقرة ومنتجة للإيمان. إنما ما يجب أن نحرص عليه هو-مهما كانت درجة إيماننا بالدين- أن تبقى ثقافة الإسلام منتجة للمعرفة وليست للأيديولوجيا والعلم والتعصب.

 

فيمَ يمكن أن تفيدنا قصة كهذه إذن بعد هذه السياحة الطويلة حولها؟!

تفيدنا فائدة جمة في الواقع وتصل بنا إلى استخلاصات حاسمة بخصوص كثير من أنماط السلوك الديني الشائعة والمعوجة والخطيرة والتي تتطلب إصلاحًا. استخلاصات حول جذور سلوكيات الجماعات الدينية في علاقتها بالمال وتوظيفه دينيًّا واستحلال استخدامه في أوجه سياسية تصطبغ ولا تزال بعد كل هذه القرون الطويلة بصبغة الدين والإسلام. إنها تفيدنا بكل تأكيد في تحرير الدين كغيب وعلاقة بالكلي من متعلقات ومنافع الدنيا وامتيازاتها المادية. لنعود بالإيمان مقدسًا ونقيًّا وخالصًا لله والحقيقة والمعرفة.



أقرأ أيضا